نبض لبنان

حفلات صاخبة تحضر غرب أفريقيا إلى ملهى في بيروت

p
بقلم
بإختصار
في لبنان، حيث ترتبط الثقافة الأفريقيّة الغربيّة بالمجموعات المحرومة بشكل أساسي، قرّرت مجموعة من الطّلاب تغيير الوضع.

إنّها ليلة الجمعة في ضاحية بيروت الشّماليّة، وتصدح الموسيقى الأفريقيّة الغربيّة من ملهى "بلاي روم" اللّيلي الواقع خلف الطّريق السريع. أوّل الواصلين مجموعة من الشّباب اللّبنانيّين الذين يرتدون سراويل أفريقيّة ذات ألوان زاهية. أخرج فوزي، البالغ من العمر 19 عامًا، جواز سفره البوركينابي لتأكيد عمره؛ هو يحمل أيضًا الجنسيّة اللّبنانيّة، لكنّه فخور بارتباطه ببوركينا فاسو، بلده غير السّاحلي في غرب أفريقيا حيث ترعرع وحيث ما زالت تعيش أسرته. هذه المرّة الثانية التي يشارك فيها في "جنغل سفاري"، وهي حفلة تقيمها مرّة كلّ شهر تقريبًا مجموعة من الطّلاب اللّبنانيّين الذين تربطهم صلات وثيقة بغرب أفريقيا. أمّا ماريو، صديق فوزي، فلم يزر يومًا أفريقيا لكنّه تعلّم تقدير الموسيقى الخاصّة بها بفضل فوزي. وقد قال ماريو للمونيتور، "نحن نحبّ المكان هنا. لا توجد أماكن كثيرة مماثلة".

في "جنغل سفاري"، يحدّد حسن جمال، أو دي جاي آيس، نمط الموسيقى. نشأ جمال في أبيدجان بساحل العاج، وقال، "أرى عددًا كبيرًا من اللّبنانيّين الذي يأتون إلى هنا وهم لم يزوروا أفريقيا قطّ. يروق الأمر لهم، وينمو اهتمامهم فيه تدريجيًا". تجذب الحفلات حوالي 500 شخص يدفعون 40$ كرسم دخول يتيح لهم الحصول على مشروب مفتوح.

يستطيع رواد الحفلات شراء الملابس وإكسسوارات الشّعر الخاصّة بأفريقيا الغربيّة من الأكشاك عند مدخل الملهى. تملك أحد الأكشاك شابة لبنانيّة تدعى ديفا كالوت، وقد ترعرعت بدورها في ساحل العاج. أتت إلى لبنان لمتابعة دراستها في الكيمياء الحيويّة والتكنولوجيا الصّناعيّة، لكنّ شغفها الحقيقي كان التّصميم، وقد أطلقت مؤخّرًا علامتها التّجاريّة الخاصّة من الملابس. وقالت للمونيتور، "أعتقد أنّ اللّبنانيّين ربّما تصدمهم قليلاً في البداية الألوان والأنماط. ولكي يتقبّلوها، عليك أن تقترح عليهم أساليب مختلفة لارتدائها، كالمزج بين تنورة بألوان زاهية وقميص بيضاء بسيطة".

نجد بجانب كالوت مجموعة نساء من غانا يبعن خصل الشعر المستعار. انتقلت ربّة عملهنّ إلى لبنان منذ بضع سنوات عندما تزوّجت من رجل لبناني، ولحقن بها للعمل في صالون تصفيف الشعر الخاصّ بها. وتجدر الإشارة إلى أنّه في لبنان، يقدّم مصفّفو الشّعر الأفارقة خدماتهم للعاملات المهاجرات اللواتي يأتي معظمهنّ من أثيوبيا أو نيجيريا ويعملن كخادمات مقيمات في المنازل.

بحسب منظّمة هيومن رايتس ووتش، يوجد في لبنان حوالي 250,000 عاملة منازل أجنبيّة، من سريلانكا وأثيوبيا والفلبين بشكل أساسي. تبقى ظروفهنّ المعيشيّة بائسة وتعتمد على حسن نيّة الأسرة التي يعملن لديها. والجدير بالذّكر أنّ الانتحار شائع، وفي حال أنجبن الأولاد في لبنان، يمكن أن يجري ترحيلهنّ إلى بلدهنّ. لكن السيدات اللواتي يبعن خصل الشعر المستعار في "جنغل سفاري" يفضّلن عدم الغوص في هذه الأفكار. وقالت نادين البالغة من العمر 25 عامًا للمونيتور، "ليس من السّهل العيش في لبنان لكنّ الأمر يعتمد على الطريقة التي تعيش فيها حياتك. قد تلتقي بأشخاص طيّبين وبأشخاص سيّئين. بالنّسبة إليّ، هذه طريقة سير الأمور".

لكن البعض لم يكن دومًا الحظّ حليفهم. ولدت ريتا يودوفيا في لبنان لوالدين نيجيريّين، وهي الآن طالبة سنة ثالثة في إدارة الأعمال، وتساعد في العمل بـ"جنغل سفاري". كانت منبوذة من الأطفال في المدرسة الذين كانوا يوجّهون لها الإهانات بسبب مظهرها. وقالت للمونيتور، "كنت أتعامل مع المسألة من خلال محاولة تحبيب الناس في أكثر. كنت أقول لهم، 'أنتم تحبّون الشوكولا أليس كذلك؟ حسنًا أنا شوكولا، لذا عليكم أن تحبّوني أيضًا'. أو كنت أهرب بعيدًا وأبكي".

لكن اليوم كشابة بالغة، تحول ثقتها الهادئة بنفسها دون توجيه التّعليقات العنصريّة لها. وهي قالت، "عندما أدخل إلى مكان ما برأس مرفوع وثقة بالنفس، لا أتعرّض لمواقف سلبيّة". يودوفيا هي متطوّعة في مركز العمال المهاجرين الذي يدعو إلى دعم حقوق العمال المهاجرين. وكلّ عام يقومون بتنظيم مسيرة في عيد العمال، فتسير يودوفيا في المقدّمة هاتفة شعارات مناهضة للعنصريّة باللّغة العربيّة عبر مكبّر الصوت.

وأضافت بقولها، "نحن نؤيّد رفاه العمال الأجانب. لا نريد نظام الكفالة" الذي يعرّض العاملات المهاجرات لخطر الاستغلال ويصعّب عليهن ترك أصحاب العمل المسيئين، بحسب ما أفادت به منظّمة هيومن رايتس ووتش.

ينظّم مركز العمال المهاجرين أحيانًا أيّامًا للطهي حيث يقدّمون الطّعام من بلدان العمّال المهاجرين، مثل سريلانكا أو السّودان.

بالنّسبة إلى يودوفيا، الحفلات الشّبيهة بـ"جنغل سفاري هي طريقة "أخفّ" للاحتفاء بالثّقافة الأفريقيّة. "أفريقيا لا تُختصَر بالمجاعة، والفقر والحزن. نريد إيصال السّعادة من خلال موسيقانا وإيقاعاتنا. وتوافق على ذلك لينا معربس، وهي نصف نيجيريّة ونصف لبنانيّة تنظّم الحفلات مع دي جاي آيس. وقد أكّدت أنّه "عندما يرى اللّبنانيّون امرأة أفريقيّة، يعتقدون أنّها هنا للتّنظيف والعمل. لكن هذا ليس صحيحًا. يكسب اللّبنانيّون أموالاً طائلة في أفريقيا. ربّما علينا أيضًا أن نحتضن ثقافتنا هنا في لبنان". بدأت معربس بتنظيم الحفلات منذ ثلاث سنوات وكانت تطلق عليها اسم "لاسغيدي" في البداية - وهو كنية للعاصمة النيجيرية لاغوس - لكنّها غيّرت الاسم مؤخّرًا ليكون أكثر شمولاً.

تمتدّ العلاقة بين لبنان وغرب أفريقيا عبر القرون. أوضح للمونيتور أندرو أرسان، وهو محاضر بارز في تاريخ الشرق الأوسط الحديث بجامعة كامبريدج، أنّ الهجرة من لبنان بدأت في أواخر القرن التاسع عشر من جبل لبنان وجنوب لبنان إلى السنغال وغينيا وسيراليون.

قال إنّ "هؤلاء الأشخاص كانوا جزءًا من موجة هجرة أوسع نطاقًا من لبنان الحالي، وكانوا يحاولون الوصول إلى الولايات المتّحدة أو أميركا اللاتينيّة. لكن عندما وصلوا إلى ميناء مارسيليا في جنوب فرنسا، قال لهم المهرّبون ووكلاء الشّحن إنّه من الأسهل الوصول إلى غرب أفريقيا الفرنسي".

وأثناء طفرة السّلع الأساسيّة في أربعينيّات وخمسينيّات القرن الماضي، انتقل عدد كبير من اللّبنانيّين إلى غانا للعمل في التجارة. "في فترة ما بعد الاستعمار، انتقلوا إلى قطاعات أخرى من الاقتصاد. أصبح اللّبنانيّون محامين ومهندسين أو انتقلوا إلى الصّناعة. على سبيل المثال، يدعى أحد مصانع الحلويات الرّئيسيّة في السنغال نجيم"، وهو اسم عربي شائع. وبحسب مجلّة "جون أفريك" النّاطقة بالفرنسيّة، يوجد اليوم بين 200,000 و300,000 لبناني في أفريقيا.

حفلات "جنغل سفاري" هي نتاج لذلك التاريخ المشترك، ونقطة اللّقاء الفريدة بين غرب أفريقيا ولبنان. ومع جذب وافدين جدد بشكل تدريجي، هم ينشرون الفكرة محليًا بأنّ أفريقيا يمكنها أن تكون، كما قال أحد المحتفلين، "ممتعة". قالت ألكساندرا باجين، وهي نصف أرمنيّة ونصف لبنانيّة تبلغ من العمر 22 عامًا، "لا أعرف شيئًا عن أفريقيا. أنا أستمتع بالموسيقى فقط. هذا المكان فريد من نوعه فعلاً ومثير للاهتمام وممتع".

ونشير إلى أنّ الحفلة التالية ستقام في 15 كانون الأوّل/ديسمبر.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept