نبض مصر

في حضرة القطب الصوفيّ البدوي... آلاف المصريّين يجدون طريقهم للشكوى والاحتفال

p
بقلم
بإختصار
تجمّع الآلاف من قرى مصر ومدنها البسيطة من القاهرة حتّى أسوان، في حضرة القطب الصوفيّ سيدي أحمد البدوي، في مدينة طنطا التي تبعد 93 كيلومتراً شمال القاهرة، للاحتفال بمولده

طنطا – غير آبهين بتعقيدات الحياة على المشهد السياسيّ والاقتصاديّ في مصر الذي يتصدّره فرض حالة الطوارئ على البلاد، تجمّع الآلاف من قرى مصر ومدنها البسيطة من القاهرة حتّى أسوان، في حضرة القطب الصوفيّ سيدي أحمد البدوي، في مدينة طنطا التي تبعد 93 كيلومتراً شمال القاهرة، للاحتفال بمولده على مدار 6 أيّام و7 ليالٍ بدأت في 6 تشرين الأوّل/أكتوبر، واختتمت بالليلة الكبيرة مساء الخميس في 12 تشرين الأوّل/أكتوبر.

الاحتفالات بمولد القطب الصوفيّ الكبير سيدي أحمد البدوي، والتي تتزامن مع ذكرى وفاته التي يعتبرها الصوفيّون ذكرى مولده إلى السماء، تبقى عادة وتقليداً موروثاً لآلاف السنين بين البسطاء من المصريّين، خصوصاً محبّي آل البيت وأولياء الله الصالحين من قرى الصعيد والدلتا ومدنهما، كذلك أتباع الطرق الصوفيّة، حيث ترجع بداية الاحتفالات إلى مئات السنين عند وفاة الشيخ البدوي في عام 675 هجريّة، حتّى أتى أتباعه بالآلاف لتقديم واجب العزاء ونصبوا خيمهم حول قبره وأقاموا فيها لثلاثة أيّام، وقد بقيت هذه العادة حتّى الآن، على الرغم من انتشار الأفكار السلفيّة في مصر التي تحرّم زيارة الأضرحة وإقامة الموالد.

هناك 77 طريقة صوفيّة معترف بها رسميا في مصر، وحوالي 15٪ من المصريين هم إما أعضاء في طريقة صوفية أو يمارسون الممارسات الصوفية. يشكّل المجلس الأعلى للطرق الصوفية، الذي تأسس في عام 1903، الهيئة الحكومية المسؤولة عن تنظيم الطرق الصوفية. والمجلس مكلف بضمان تناسق الممارسات الصوفية مع القواعد والقوانين الإسلامية.

يقول شيخ مشايخ الطرق الصوفيّة عبد الهادي القصبي في حديث إلى "المونيتور": "السيّد البدوي هو ثالث أقطاب الولاية الأربعة لدى الطرق الصوفيّة، وإليه تنسب الطريقة البدويّة ذات الراية الحمراء، وأطلقت عليه العديد من الألقاب، من بينها البدوي لأنّه كان دائماً يغطّي وجهه باللثام مثل أهل البادية، وسمّي بشيخ العرب والسطوحي و"أبا فراج"".

تمتدّ إلى مئات الأمتار في الشوارع والأزقّة الضيّقة المؤدّية إلى المسجد خيام المريدين والدراويش الذين جاءوا إلى المبيت في حضرة السيّد البدوي لأسبوع كامل يقضونه في إقامة الحضرات ومجالس الذكر، حيث يهتف المشاركون شعر ديني لمدح الله والنبي وغالباً ما يتمايلون. وتتبع كلّ خيمة طريقة صوفيّة تنتسب إلى شيخ ومعلّم، كلّ له طريقته في الذكر والاحتفال.

يقول الشيخ محمدي عبد الله، وهو من المشرفين على مسجد السيّد البدوي، في حديث إلى "المونيتور": "الشيخ البدوي له بركات وروحانيّات شديدة بين محبّيه، ومولده يجمع المتباركين به من كلّ الأقطار، باعتبار أنّه يمتدّ نسبه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام".

يردّ عبد الله على الأفكار السلفيّة التي تحرّم إقامة المولد، قائلاً: "على الرغم من الأفكار السلفيّة المتشدّدة، إلّا أنّ أعداد محبّي الشيخ البدوي في ازدياد، وتصل في الليلة الكبيرة للمولد إلى أكثر من مليوني زائر"، مؤكّداً: "هم لم يأتوا للطواف حول الضريح أو طلب المدد، لكنّ زيارة المسجد وإقامة الاحتفالات هدفهما التبرّك والذكر".

ما يقارب الـ70 طريقة صوفيّة يتجمّع أتباعها من كلّ أنحاء مصر والسودان، جمعهم حبّ السيّد البدوي، والذي يجعلهم يقيمون في خيام لأسبوع كامل، تاركين منازلهم وذويهم للمشاركة في ذكرى مولده وإحيائها.

يقول الشيخ سيّد فخر عثمان، من أتباع الطريقة البرهانيّة الصوفيّة، في حديث إلى "المونيتور" خلال الاحتفالات بالليلة الكبيرة مساء الخميس في 12 تشرين الأوّل/أكتوبر: "أرواحنا تأتي في رحاب القطب الصوفيّ الشيخ البدوي، ومجيئنا فرض على من أخذ عهداً بحبّ الأولياء وآل البيت".

يضيف عثمان وهو يتصبّب عرقاً بعد ساعات قضاها في المديح والتمايل داخل سرادقات الطريقة البرهانيّة: "مولد السيّد البدوي فرصة للالتقاء بأبناء الطرق الصوفيّة المختلفة، فهو يهيّئ الأرواح للتعايش والتأدّب والالتزام".

وتقيم كلّ طريقة صوفيّة حضرة خاصّة لأبنائها في سرادقات في ساحة مسجد سيدي البدوي، وفي جواره حيث تستمرّ حلقات الذكر طوال ليالي الاحتفالات السبع، تتكدّس فيها أجساد المريدين والمحبّين، جميعهم حفاة يتراقصون ويتمايلون على أنغام الدفوف والناي وأناشيد الذكر.

يقول محمّد العجودي، وهو مزارع من أسيوط، في حديث إلى "المونيتور": "بدأت أشارك في مولد البدوي منذ أكثر من 17 عاماً، وهو سبب البركة في الرزق والمال والأولاد، فإذا تغيّبت في أيّ عام لا أجد الراحة، مجيئنا إلى هنا يطهّر القلوب ويصفّي النفس، إسوة بشيخنا البدوي الذي زهد الدنيا وما عليها من متاع".

ويضيف محمّد سعيد، وهو عامل في سوهاج، ويتبع الطريقة الشهاويّة الصوفيّة: "الظروف الآن صعبة، الناس جاءوا إلى السيّد البدوي ليشتكوا وليخرجوا همومهم، لأنّنا لا نستطيع أن نقول "لا" للحكومة". ويضيف: "في مولد البدوي، نتجمع مع إخواننا في التصوّف ونشاركهم العيش والنوم في حالة روحيّة لا تتكرّر في أيّ مشهد آخر في مصر".

ويصف أحمد عثمان الذي أتى من السودان للمشاركة في الاحتفالات في حديث إلى "المونيتور": "عندما تتجلّى الأنفس في حلقات الذكر ومدح الرسول وآل البيت، تهون الدنيا بمن فيها، ويظهر النور الأخضر في الأفق".

يقول الحاج مرسي عبد العال، الذي أتى من قنا للاحتفال بالمولد وتقديم النذور: "كنّا نعتاد تقديم الخبز واللحوم والأرزّ على المريدين والزوّار، إلّا أنّ ارتفاع الأسعار جعلنا نلجأ إلى أطعمة أقلّ سعراً مثل البطاطس والأرزّ والجبن".

وتجمع احتفالات السيّد البدوي مختلف ألوان الغناء الصوفيّ، حيث تعقب حلقات الذكر في الخيام والسرادقات التابعة إلى الطرق الصوفيّة المختلفة داخل المولد، حضرات للغناء والمديح على أنغام الدفوف والربابة والكمان، تسيطر عليها أشعار الصوفيّين، ومنهم ابن الفارض ورابعة العدويّة، إضافة إلى الارتجال اللحظيّ.

ويبقى مولد السيّد البدوي في مدينة طنطا من بين التقاليد والموروثات الاجتماعيّة القليلة التي يسعى محبّو الشيخ وأتباع الطرق الصوفيّة إلى الإبقاء عليها، وحمايتها من الاندثار من التغيّرات الاجتماعيّة والتشدّد الدينيّ السلفيّ الذي سيطر على المجتمع المصريّ في السنوات الأخيرة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept