نبض إيران

كيف أصبحت قصّات الشعر وطلاء الأظافر جزءاً من طقوس الحداد في إيران؟

p
بقلم
بإختصار
تشهد طقوس الحداد التقليدية لدى الشيعة في شهر محرم، تغييرات في إيران في إطار ما يرى فيه البعض مظاهر سطحية وانعداماً للمبادئ الدينية.

مراسم الحداد في شهر محرم تقاليدٌ تعود إلى عصور مضت في أوساط المسلمين الشيعة حول العالم، لا سيما في إيران. تحيي هذه الشعائر ذكرى استشهاد حفيد النبي محمد، الحسين بن علي ورفاقه في معركة كربلاء في القرن السابع. لكن في الأعوام الأخيرة، أثارت هذه الطقوس قلقاً في أوساط رجال الدين والفقهاء الدينيين في إيران مما يعتبرونه انحرافاً عن المبادئ الجوهرية.

في إيران وبلدان أخرى ذات أكثرية شيعية، يتخلّل الأيام العشرة الأولى من شهر محرم بحسب التقويم الهجري، موكب حداد، وارتياد قاعات الصلاة، وممارسة شعائر لطم الصدر باليد (سينه-زاني) وجلد الظهر بالسلاسل الصغيرة (زنجير-زاني). في الماضي، كانت شعائر لطم الصدر والجلد تُمارَس حصراً في المساجد وقاعات الصلاة، وكانت تحدث فقط في اليومَين التاسع والعاشر من شهر محرم، المعروفَين بتاسوعاء وعاشوراء. في هذين اليومَين، كانت مجموعات من الأشخاص تمشي في مسيرات في الشوارع، وكانوا يرتدون الملابس السوداء، فيما ينشدون المدائح ويجلدون أنفسهم في حركة متناسقة، تعبيراً عن ولائهم للحسين. لكن في هذه الأيام، تُنظَّم هذه المسيرات أحياناً بطريقة مختلفة.

في الزمن الراهن، تنزل مجموعاتٌ أو ما يُسمّى بـ"الهيئات"، بقرار واختيار شخصيَّين، إلى الشارع في أي وقت يحلو لها خلال الأيام العشرة الأولى من شهر محرم. في السابق، كانت تتخلل هذه الشعائر أيضاً مدائح لشخصيات شيعية، فضلاً عن سرديات تاريخية وفلسفية عن عاشوراء وانتفاضة الحسين ضد الخليفة الأموي يزيد. لكن مع مرور الوقت، تراجعت هذه المظاهر. ليس انحسار الجوانب التاريخية والفلسفية لشهر محرم بالأمر الجديد، بل إنه جزء من نزعة متواصلة تشكّل مصدر قلق لرجال الدين والفقهاء الدينيين منذ بعض الوقت.

شهد العقد المنصرم بروز المدّاحين في إطار تقاليد شهر محرم. قبل الولايتَين اللتين أمضاهما الرئيس محمود أحمدي نجاد في سدّة الحكم في إيران (2005-2013)، كان عمل المدّاحين يقتصر على الشؤون الدينية المتعلقة بمحرم وعاشوراء. لم يكن العمل مدّاحاً يُعتبَر مهنة مستقلة؛ ولم يكن الأجر الذي يتقاضاه المدّاح يؤمّن له الاكتفاء الذاتي. في الواقع، وحدهم الأشخاص الذين كانوا يتمتّعون بأصوات استثنائية كانوا يتلون المدائح في المساجد وقاعات الصلاة خلال شهر محرم، وكانوا يفعلون ذلك فيما يحتفظون بوظائف بدوام كامل.

إبان فوز أحمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية في العام 2005، بدأ المدّاحون يستقلّون عن المساجد، وباتوا يتدخّلون تدريجاً في الأمور السياسية أيضاً. فجأةً أصبح لأعضاء هذه المجموعة الذين يقتصر تواجدهم في المساجد وقاعات الصلاة على شهر محرم، حضورٌ ظاهر على امتداد العام، وبدأوا يطلّون في مناسبات دينية أخرى. وخلال المرحلة نفسها، سجّلت مداخيلهم زيادة كبيرة إلى درجة أن العمل مدّاحاً أصبح وظيفة جيدة الأجر، وفق ما أورد موقع "المونيتور" العام الماضي.

إذاً لماذا رحّب المجتمع الإيراني على ما يبدو بالمضمون الذي يقدّمه المدّاحون على الرغم من أنه لا أساس له من الصحة أو ينطوي على مبالغة في تصوير المشقّات التي تكبّدها الحسين من أجل إثارة الحماسة لدى الحشود عبر تأجيج شعور الفجيعة لديهم؟ قالت عالمة الاجتماع ليلى عاشوري لموقع "المونيتور": "يحتاج الشباب إلى التنفيس عن حماستهم وطاقتهم. ولديهم أيضاً رغبة في المشاركة في المهرجانات. هذه الحماسة دفعت بالمدّاحين إلى محاولة دفع مهنتهم نحو الأمام عبر إنشاد مدائح إيقاعية ليس لها مضمون أدبي أو ديني، حتى إنهم يعمدون أحياناً إلى اقتباس الألحان عن أغانٍ لفنّاني بوب".

لا توافق السلطات الدينية الشيعية على النزعة الحالية. انتقد المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، في لقاء مع المدّاحين في نيسان/أبريل 2015، ترويج بعض الجوانب الجديدة في مراسم الحداد. وسأل في هذا الإطار: "ما الفائدة من القفز صعوداً وهبوطاً في الاحتفالات الدينية؟ ما علاقة ذلك بمراسم الحداد؟ لست منزعجاً من حماسة الشباب. هم يحتاجون إلى تنفيس طاقتهم، وهذا أمر طبيعي. غير أن هذه الطاقة الهائلة على الحداد يتم تبديدها، مع العلم بأنه يمكن أن تساهم في تحضيرهم وإرسالهم للعمل بعزم وتصميم من خلال تقديم المدّاحين أداء جيداً وذا مغزى".

قال الباحث في التاريخ الإسلامي رسول جعفريان، في مقابلة معه في تشرين الثاني/نوفمبر 2012: "منذ بضع سنوات، أصبحت زمرة من المدّاحين والواعظين أسياد التفكير. يتسبّب المدّاحون، عبر نشر المعتقدات الخرافية، بتدمير فلسفة الانتفاضة التي قادها الإمام الحسين، وقوامها التصدّي للقمع وعدم التزام الصمت في وجه الفساد".

كتب حجة الإسلام مسيح مهاجري، رئيس تحرير الصحيفة المحافظة "جمهوري إسلامي"، في افتتاحية في 20 أيلول/سبتمبر الماضي: "كل عام، عشية حلول شهر محرم، يوجّه كبار رجال الدين تحذيرات إلى المدّاحين وينصحونهم بالامتناع عن التلفظ بمضمون لا أساس له من الصحة، لكنهم لا يعيرونهم آذاناً صاغية. إذا أجرينا بحوثاً حول هذه المسألة، نجد لسوء الحظ أن ثقافة عاشوراء تراجعت في العقود الأخيرة لناحية المضمون، كما أن الكلام الذي لا أساس له من الصحة الذي يصدر عن المدّاحين جعل هذه الاحتفالات أكثر سطحية من أي وقت مضى".

في الأول من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، قال آية الله العظمى عبدالله الجوادي الآملي، الذي يحظى بالاحترام من جميع الفصائل السياسية في إيران: "ليس ذرف الدموع الهدف من محرم. لا تقام مراسم الحداد تلك ليتمكّن الناس من ذرف الدموع. البكاء أداةٌ للحفاظ على الدين، والدموع بحد ذاتها ليست الهدف".

يتركّز جزء كبير من الانتقادات الصادرة عن رجال الدين على نشر المعتقدات الخرافية والسرديات المبالَغ فيها التي يستخدمها المدّاحون لجعل مدائحهم تبدو أكثر استساغةً من الجماهير. في هذه السرديات، يُغدقون على الحسين الصفات التي تظهره شديد البراءة في محاولة لجعله يبدو أكثر إثارةً للتعاطف والحزن، ما يدفع الجماهير إلى البكاء بلوعة أكبر. والمدّاح الذي يثير رد فعل من هذا النوع لدى الحشود يُصنَّف في عداد الناجحين. على الرغم من أن رجال الدين والفقهاء الدينيين عبّروا عن قلقهم بشأن مخاطر الانتقاص من معنى مراسم الحداد وعمقها، إلا أن المدّاحين هم مَن يمسكون بزمام الأمور في نهاية المطاف.

تقوم العادات المعروفة بـ"نذري"، وهي شعائر سجالية أخرى في شهر محرم، على إعداد الطعام وتوزيعه على الناس لا سيما الفقراء منهم. مَن يعدّون الطعام أو يسدّدون ثمنه يفعلون ذلك في إطار العمل الخيري، وأملاً منهم في أن يستجيب الله لصلواتهم. غير أن رجال الدين والفقهاء الدينيين ينتقدون هذا النشاط معتبرين أنه يشتّت الأنظار عن مبدأ محرم.

تجدر الإشارة أيضاً إلى أن شعائر محرم الجديدة التي تلقى رواجاً في أوساط الشباب لا تقتصر على القفز صعوداً وهبوطاً. لطالما كان ارتداء اللباس الأسود تقليداً سائداً في مراسم الحداد في إيران. إلا أن أسلوب اللباس الحالي يبتعد عن التقاليد المتّبعة. وفي هذه الأيام، تقدّم صالونات الحلاقة للرجال قصّات شعر مستوحاة من أسلوب محرم، وتضع الشابات طلاء أظافر مع تصاميم مستلهَمة من شهر محرم وذكرى عاشوراء. وقد بدأ بعض الأشخاص بكتابة شعارات دينية على سياراتهم.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X