نبض تركية

أحداث الشرق الأوسط تفرض الواقعية على أردوغان

p
بقلم
بإختصار
بعدما تداعت توقعات أردوغان ذات النزعة الإسلامية، يجد نفسه مضطراً إلى التعاون مع قادة كان ليفضّل عدم التكلّم معهم.

ربما يواجه الرئيس رجب طيب أردوغان صعوبات متزايدة مع الغرب، غير أن وضعه في الشرق الأوسط ليس سهلاً على الإطلاق.

يستمر عدوّه اللدود في المنطقة، الرئيس السوري بشار الأسد، في تحقيق انتصارات، في حين أن خصمه في مصر، الرئيس عبد الفتاح السيسي، لا يزال قابعاً في السلطة. وقد أخذته الأزمة القطرية على حين غرة وأربكته. وفي غضون ذلك، يستعدّ لتسلّم ولي العهد الأمير محمد بن سلمان سدّة العرش في السعودية، وبن سلمان هو عدوٌّ لجماعة "الإخوان المسلمين" التي يشعر أردوغان بتقارب وثيق معها. كما أن حركة "حماس" التي يدعمها أردوغان أيضاً بقوة، جاهزة للإذعان للرئيس الفلسطيني محمود عباس وسلطته الفلسطينية العلمانية، فيما تواصل إيران، في خلفية هذا كله، ترسيخ موقعها الإقليمي.

بيد أن الكابوس الأسوأ بالنسبة إلى أردوغان يتمثّل في المسألة الكردية التي انبثقت عن الأزمة السورية والتطورات في العراق. إنه يحاول التعامل معها الآن عبر السعي إلى التعاون مع قادة كان ليفضّل تجنّب التعاطي معهم.

بعد انقضاء الربيع العربي الذي بات الآن شبه منسي، لم تسر الأمور كما تمنّى أردوغان. كان أحمد داود أوغلو، وزير خارجيته ذو النفوذ الواسع في ذلك الوقت، مقتنعاً بأن تركيا "سوف تقود رياح التغيير في الشرق الأوسط".

أما اليوم فتركيا "تقودها" الأحداث الدائرة في المنطقة والخارجة عن سيطرتها. لقد تبيّن أن جدول الأعمال الإسلامي الذي ينتهجه أردوغان – والمدفوع برغبته في أن يكون مدافعاً عن الجماهير الإسلامية المسحوقة – لم يكن مناسباً لأيٍّ من القوى القائمة في الشرق الأوسط.

من جهة أخرى، فإنّ مَن كانوا يقدّمون الدعم لأردوغان ويتوقّعون الحصول على الدعم منه ضد المنظومة القائمة، أُخرِجوا في معظمهم من المشهد. على أردوغان أن يتعامل الآن مع القيادة التقليدية في المنطقة، والتي تعارض نسخته من الإسلام السياسي.

لم يكن قد مضى وقت طويل على انطلاقة الربيع العربي عندما وُجِّهت إلى أردوغان تهمة العمل من أجل وصول حكومات يقودها "الإخوان المسلمون" إلى السلطة في مختلف أنحاء المنطقة عن طريق تحقيق انتصارات في صناديق الاقتراع، على غرار النصر الذي حقّقه "حزب العدالة والتنمية" الذي ينتمي إليه أردوغان. كذلك أدّت السياسات التركية في الملف السوري إلى اتهام أردوغان بتفضيل السنّة على الآخرين والتورط في التعصّب المذهبي.

في نهاية المطاف، أثار أردوغان حفيظة السلطات في السعودية وإيران على السواء – العدوَّين الأساسيين في الشرق الأوسط – ما كشف أن الشكوك التي تحيط به عابِرة لخط الانقسام المذهبي وليست حكراً على طائفة معيّنة.

يعتبر حسن كوني، الأستاذ في العلاقات الدولية في جامعة كولتور في اسطنبول، أن الخطأ الذي ارتكبته تركيا هو أنها "خلطت بين السياسة الواقعية والعواطف" في الشرق الأوسط.

أثار أردوغان حفيظة السلطات في السعودية وإيران على السواء... ما كشف أن الشكوك التي تحيط به عابِرة لخط الانقسام المذهبي.

وقد سأل كوني في مقابلة مع صحيفة "حرييت دايلي نيوز" في 18 أيلول/سبتمبر الجاري: "حسناً، يتعرّض المسلمون للاضطهاد، وتُنتهَك حقوق الإنسان [في الشرق الأوسط]. لكن ما هي نتائج السياسة التي دعمتُها في ما يتعلق بهذه المشكلات؟ علامَ أحصل في المقابل؟"

يجد أردوغان نفسه، بعد تداعي معظم توقّعاته، مضطراً إلى سلوك مسارات ديبلوماسية متعرّجة لاستعادة النفوذ الذي خسره في المنطقة. وخير مثال على ذلك علاقته مع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي.

قبل عام، وجّه أردوغان الشتائم إلى العبادي وتراشق الاثنان بالاتهامات بعدما طالب رئيس الوزراء العراقي بانسحاب القوات التركية المتمركزة في بعشيقة على مقربة من الموصل، وأصرّ على عدم السماح لتركيا بالمشاركة في تحرير الموصل من تنظيم "الدولة الإسلامية".

ردّ أردوغان بنبرة تحدٍّ: "يجب أن تعلم أننا سنفعل ما نشاء"، مضيفاً أن العبادي هو نكرة مقارنةً به، وطلب من رئيس الوزراء العراقي أن "يعرف مكانه".

لا تزال القوات العراقية متواجدة في بعشيقة، إنما لم يُسمَح لها بالمشاركة في عملية الموصل. كما أنه ليس متاحاً أمام أنقرة أن تكون لها كلمتها في تصوُّر ما ستكون عليه التركيبة الديمغرافية للمدينة إبان تحريرها. ولم يطرأ أيضاً أي تغيير في موقف بغداد من القوات التركية في العراق.

غير أن أردوغان يسعى الآن إلى الحصول على الدعم من العبادي لمنع حكومة إقليم كردستان من إجراء الاستفتاء حول الاستقلال في 25 أيلول/سبتمبر الجاري. وقد قال للمراسلين في 17 أيلول/سبتمبر، قبيل توجّهه إلى نيويورك للمشاركة في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، إنه سيلتقي العبادي في الولايات المتحدة لمناقشة هذه المسألة، مضيفاً: "هدفنا هو نفسه. هدفنا ليس تقسيم العراق".

لسخرية القدر، أردوغان على علاقة ودّية مع رئيس حكومة إقليم كردستان مسعود البارزاني، حتى إنه وجّه إليه دعوات لحضور مؤتمرات "حزب العدالة والتنمية" في السابق، واستضافه في أنقرة منذ فترة وجيزة حيث رفرف علم حكومة إقليم كردستان في المطار، ما أثار غضباً شديداً في أوساط القوميين الأتراك.

على أردوغان أن يتعامل أيضاً بحذر مع البارزاني، نظراً إلى أنه لتركيا استثمارات بمليارات الدولارات في شمال العراق – لا سيما في قطاع الطاقة. سيبقى أحد التحديات الأساسية بالنسبة إليه محاولة لجم التطلعات السياسية الكردية في العراق مع إرساء توازن في الوقت نفسه في علاقاته مع العبادي والبارزاني من دون أن يثير نفور أيٍّ منهما.

الروابط التركية مع إيران مثالٌ آخر في هذا السياق. في حزيران/يونيو الماضي، أقدم أردوغان، في محاولة منه لكسب ود الدول الخليجية خلال مؤتمر في البحرين، على اتهام طهران بـ"التوسّعية الفارسية" قائلاً بأنه "يجب ردعها".

لم تبدّل إيران سياساتها الإقليمية منذ ذلك الوقت، غير أن أردوغان يعوّل عليها الآن للمساعدة أيضاً في المشكلة الكردية، على الرغم من أنه لا تزال هناك خلافات كبرى بين البلدَين حول مسائل أساسية تتعلق بالعراق وسوريا.

سوف يتوجّه أردوغان إلى طهران في مطلع تشرين الأول/أكتوبر المقبل لحضور اجتماع للمجلس الاستراتيجي الأعلى للعلاقات بين تركيا وإيران، حيث يُتوقَّع أن يتم طرح المسألة الكردية في مباحثاته مع الرئيس حسن روحاني. وفي الوقت نفسه تقريباً، سوف يتواجد رئيس هيئة الأركان التركية، خلوصي أكار، في طهران لإجراء مباحثات مع نظيره الإيراني اللواء محمد باقري الذي زار أنقرة قبل فترة وجيزة.

يواجه أردوغان تحدّياً أساسياً آخر في منطقة الخليج، حيث يحاول إرساء توازن في علاقاته مع قطر والسعودية بطريقة من شأنها أن تتيح له الإبقاء على دعمه القوي للدوحة ضد الرياض وحلفائها – بما في ذلك الدعم العسكري – من دون أن يقوّض في الوقت نفسه علاقات بلاده مع السعودية وسواها من دول الخليج.

قام أردوغان بجولة على الخليج في تموز/يوليو الماضي في مسعى لنزع فتيل الأزمة القطرية، وعلى الرغم من أنه استُقبِل بحفاوة في السعودية، إلا أنه لم ترشح عن الزيارة أي مؤشّرات بأنه تمكّن من تحقيق اختراق ما. ومنذ ذلك الوقت، تركت أنقرة مهمة الوساطة في هذه الأزمة إلى الكويت.

في مؤشّر إضافي عن رغبة أنقرة في الحفاظ على علاقاتها مع جميع الدول الخليجية، استضاف أردوغان أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في أنقرة الأسبوع الماضي في الوقت نفسه تقريباً الذي كان فيه رئيس الوزراء التركي بينالي يلدريم يستضيف نظيره الكويتي الشيخ جابر المبارك الحمد الصباح.

بيد أن الخبراء يعتقدون أن تطبيع العلاقات التركية مع القوى الإقليمية بما يُتيح لأنقرة تأدية دور مهم في إعادة رسم معالم المنطقة سوف يستغرق وقتاً، بسبب الشكوك حول الدوافع التركية القصوى في الشرق الأوسط.

يقول سوها أومار، سفير تركيا سابقاً لدى عمان وهو متقاعد حالياً، إن تركيا خسرت قدراً كبيراً من مصداقيتها في المنطقة بسبب أخطائها الفادحة في السياسات. ويعتبر أيضاً أن أنقرة لا تمتلك قدرة الردع العسكري أو النفوذ الاقتصادي الذي كانت تتمتع به سابقاً في المنطقة.

قال أومار لموقع "المونيتور": "تبدو تركيا اليوم شريكاً غير موثوق في نظر الكثيرين في الشرق الأوسط. كل خطوة تتخذها الآن يجب أن يكون الهدف منها العمل من أجل محو هذا الانطباع"، مضيفاً: "لكن ذلك سوف يستغرق وقتاً طويلاً لأن القوى الأساسية في المنطقة التي كان يجدر بتركيا التعاون معها منذ البداية، باتت تستعديها أكثر من أي وقت مضى".

شدّد أومار على أن الإبقاء على المقاربة العقلانية التي تحاول أنقرة إظهارها الآن "صحيح على الورق"، لكنه اعتبر أنه من غير المرجّح أن تستعيد تركيا نفوذها الإقليمي في عهد الإدارة الحالية، نظراً إلى الشكوك التي أثارتها تقلّباتها.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X