نبض تركية

هل يمكن تحقيق انتقال هادئ بعد استفتاء تركيا؟

p
بقلم
بإختصار
مع فوز بفارق ضئيل في المدن الكبرى والادّعاءات بشأن تزوير الأصوات والمناورات غير القانونيّة، إلى متى سيستطيع الرّئيس التّركي رجب طيّب أردوغان كبت الحركة النّاشئة المقاومة لنتيجة الاستفتاء؟

اسطنبول – في ليلة 15 نيسان/أبريل وحتّى فجر اليوم التّالي، لم تذق المدينة طعم النّوم. جلست أنا وأصدقائي على شرفة إحدى ناطحات السّحاب في حيّ كاراكوي التّجاري وأمكنني رؤية الأضواء التي لم تنطفئ طوال اللّيل في معظم الحيّ. وكذلك على مواقع التّواصل الاجتماعي، اشتكى مئات الأشخاص من الأرق والقلق مع اقتراب الاستفتاء بشأن التّعديلات الدّستوريّة.

مع بدء أذان الفجر، تلقّيت أوّل اتّصال هاتفي من أصدقاء لي في شرناق، وهي مدينة تمزّقها الحرب في جنوب شرق تركيا بالقرب من الحدود مع العراق. وتجدر الإشارة إلى أنّ حكومتها المحليّة الموالية للأكراد حلّ محلّها منذ أشهر حزب العدالة والتّنمية؛ وجرى أيضًا إبعاد مراقبي الانتخابات المحليّين في ظلّ قانون الطّوارئ بعد اتّهامهم بدعم الإرهاب.

كانت صديقتي في شرناق، حيث بدأ التّصويت قبل ساعة من موعد انطلاقه في اسطنبول، مبتهجة وهي تقول، "نحن مستعدّون للرّقص في الشّوارع في المساء. شرناق ستقول كلا". وبالفعل، صوّتت أغلبيّة الأشخاص في شرناق، كما في عدد من المدن التّركيّة الأخرى، على الرّغم من ضغط الحكومة، ضدّ التّعديلات المقترحة التي من شأنها توسيع صلاحيّات الرّئيس بشكل كبير.

إنّ اللّيلة التي سبقت الاستفتاء، والتي لم تعرف فيها تركيا النّوم، قوبلت بيوم حافل مليئ بالاضطرابات في كافة أنحاء البلاد. زرت عددًا من الأحياء في اسطنبول، وتحدّثت مع مجموعات متنوّعة طوال النّهار وشهدت على التوتّرات والعنف بشكل مباشر.

أوّلاً، جرى الاستفتاء في ظلّ قانون الطّوارئ. وجرت ممارسة ضغط كبير على الأفراد ليصوّتوا بـ"نعم" لدرجة كان التوتّر واضحًا على أوجه النّاس المصطفّين للتّصويت. بعضهم تخوّف من هجوم إرهابي؛ وآخرون كانوا يخشون محاولة انقلاب أخرى. والبعض كانوا خائفين من أرباب عملهم الذين طالبوهم بدليل على أنّهم صوّتوا لصالح التّعديلات. (وجد البعض على الأقلّ بعض الرّاحة عندما هبّت مواقع التّواصل الاجتماعي لنجدتهم في اللّيلة السّابقة للاستفتاء من خلال موقع الكتروني يستطيعون من خلاله الحصول على صورة مزيّفة "تثبت" أنّهم صوّتوا بنعم.)

نظّم معارضو التّعديل في المدن الكبرى أنفسهم تنظيمًا جيّدًا، لكن لم يكن بإمكانهم التّواجد في كلّ مكان. في البلدات الصّغيرة والقرى، أفاد عدد من المشرّعين والنّاشطين بأنّ المخاتير المحليّين كانوا يجبرون الناس بشكل غير قانوني على عرض أصواتهم علنًا. بالفعل، مع اقتراب نهاية التّصويت في فترة بعد الظّهر، أصبح واضحًا أنّه على الرّغم من وجود قانون يمنع الأمر، سُمِح للأشخاص بإدخال هواتفهم المحمولة إلى مواقع الاقتراع: عرض مؤيّدو حزب العدالة والتّنمية مئات صور السيلفي على منصّات مواقع التّواصل الاجتماعي وهم يبتسمون بفخر مع بطاقات التّصويت المؤيّدة للتّعديلات.

هذه الحوادث الفرديّة لم تكن المشكلة الرّئيسيّة الوحيدة المتعلّقة بالغشّ والتّزوير. فقد انتشرت أيضًا صور ومقاطع فيديو لأشخاص يحملون أكياسًا من بطاقات التّصويت من السّيارات إلى مناطق الاقتراع، ويختمونها بـ"نعم" ويقفلونها بالختم الرّسمي.

فيما بدأت تنتشر على مواقع التّواصل الاجتماعي مقاطع الفيديو هذه التي يظهر فيها رجال من حزب العدالة والتّنمية يمازحون حول من هو الأفضل في وضع ختم "نعم" على بطاقات التّصويت، زرت مسجدًا تحت الأرض في منطقة الفاتح لصلاة الظّهر. تجمّع هناك 50 رجلاً كانوا لطفاء نظرًا إلى أنّني غريب عنهم، وقد أعربوا عن قلقهم بشأن الاستفتاء. قال معظمهم إنّهم لا يعتقدون أنّ اسطنبول ستصوّت بـ"نعم". واقترح أحد الرّجال أن أزور "المكتبة الجهاديّة" المجاورة؛ "هم يؤيّدون الاستفتاء. نحن ندعم أردوغان لكن ليس الاستفتاء". وفي المكتبة، قال المالك، "نحن نعتقد أنّ أردوغان يستحقّ موقعًا أقوى في البلاد. في الوقت الرّاهن، كلّ مرّة يريد مساعدتنا [السّوريّين]، نصطدم بمزيد من الحواجز. إذا فاز، نحن مستعدّون لدعمه أكثر بعد". وبالفعل، بعد خطاب النّصر الذي أدلى به أردوغان في المساء، نشرت هذه المجموعات عددًا من رسائل التّهنئة.

جرى الإبلاغ أيضًا عن عدّة حالات من التّخويف. وقد تعرّض الزّميل المساهم في المونيتور علي بيرم أوغلو لهجوم وحشي بسبب تصويته بـ"لا" في اسطنبول.

والجدير بالذّكر أنّه حوالي السّاعة الخامسة من بعد الظّهر، مباشرة قبل إغلاق صناديق الاقتراع، أعلن المجلس الأعلى للانتخابات عن إدخال تغيير على قواعده الرّسميّة، بحيث سيُسمَح بإحصاء الأصوات التي لا تحمل ختمًا رسميًا. في الأصل، كان قد جرى حذف هذه الأصوات باعتبارها باطلة. وفيما كان المراقبون في حجرات الاقتراع يحاولون فهم قرار المجلس، بدأت وحدات الشّرطة بالوصول إلى عدد من مناطق الاقتراع طالبة من المراقبين أن يغادروا. وبحسب القواعد الرّسميّة، لدى الطّلب من النّاس التّصويت بالسّرّ، يجري إحصاء الأصوات بعد إغلاق صناديق الاقتراع بشكل علني.

بينما كان مراقبو عمليّة الاقتراع ما زالوا ينتظرون تسليم بطاقات التّصويت إلى الهيئات الرّسميّة، وفي غضون ساعتين فقط من إغلاق صناديق الاقتراع، بدأت عدّة وسائل إعلاميّة مؤيّدة لحزب العدالة والتّنمية بالإعلان عن الموافقة على التّعديلات. حتّى إنّ بعضها أفاد بأنّ نسبة التّصويت بـ"نعم" تخطّت 60%. وكانت وكالة الأناضول التي تديرها الدّولة، الوسيلة الإعلاميّة الوحيدة المسموح لها أن تعلن عن النّتيجة، مع أنّ نتائجها لم تتوافق مع ما ورد على الموقع الالكتروني الخاصّ بالمجلس الأعلى للانتخابات. عندها، قامت ميرال أكسنير، وهي سياسيّة قوميّة متطرّفة، بالاتّصال بقناة تلفزيونيّة لتقول إنّه جرى إحصاء 75 إلى 80% فقط من الأصوات وتنبئ النّتائج بانتصار المعارضين بنسبة 52%.

في ذلك الوقت، كنت في مطعم محافظ في حيّ توفان ارتفع فيه العلم التّركي وعُلِّقَت صورة أردوغان على الحائط. كان مرتادو المطعم على ثقة بأنّ أصوات المؤيّدين للاستفتاء هي التي ستفوز. وقال أحدهم، "أردوغان هو الزّعيم؛ هل تعتقد أنّه سيجري يومًا انتخابات قد يخسر فيها؟ هل يخسر يومًا [الرّئيس الرّوسي فلاديمير] بوتين؟ هل يخسر يومًا [الرّئيس السّوري بشار] الأسد في الانتخابات؟" وعندما سألتهم عمّا إذا كانت الحياة ستصبح أفضل مع فوز أردوغان، قالوا إنّهم يأملون ذلك لأنّهم يعانون صعوبات ماليّة. هذا ولم نشهد على فرحة عارمة واحتفالات في الحيّ.

لم ينحسر التوتّر العام بعد النّصر المفترض. فكان عدد من مرتادي أحد المقاهي في منطقة جيهانجير اللّيبراليّة يسألون ما إذا كانت ستصبح النّساء الآن حظيّات رجال حزب العدالة والتّنمية. ففي 11 نيسان/أبريل، نشر عمر أكبايرك، وهو عامل في بلديّة اسطنبول الكبرى، على حسابه على فيسبوك أنّه "في 17 نيسان/أبريل، بعد فوزنا في الحرب، ستصبح نساء [المعارضين] وبناتهم" غنيمة للذين صوّتوا بـ"نعم".

على أثر ذلك، قامت مباشرة بلديّة اسطنبول الكبرى التي يسيطر عليها حزب العدالة والتّنمية بطرد أكبايرك، لكنّ عدّة أشخاص غيره بدؤوا بنشر صور لقريبات – زوجات، بنات، أمّهات وحفيدات – قادة المعارضة، وصحفيّين وممثّلين معارضين بارزين، قائلين، "في 17 نيسان/أبريل، سيصبحن حظيّاتنا".

وفي يوم الاستفتاء، ومع إقفال مراكز الاقتراع، غرّد الصّحفي الموالي بشدّة للحكومة جيم كوجوك، المعروف بتهديده لشخصيّات معارضة، قائلاً، "أجل لقد فزنا، لكن استعدّوا للقتال".

حتّى فيما حاول أعضاء مختلفون من المعسكر المعارض إقناع الإعلام بأنّ عمليّة إحصاء الأصوات لم تنته بعد، قام رئيس الوزراء أوّلاً، ثمّ أردوغان، بإلقاء خطابات النّصر. وحذّر أردوغان مؤيّديه من أنّ النّاس قد يحاولون التّقليل من أهميّة انتصارهم لكنّ ذلك لن يهمّهم.

وتُظهِر النّتائج غير الرّسمية الصّادرة عن وكالة الأناضول تصويت 51.4% بـ"نعم"، أي أكثر بحوالي 1.2 مليون من المصوّتين بـ"كلا". إلا أنّ الأحزاب المعارضة تحثّ على إعادة فرز 60% من الأصوات، زاعمة أنّه جرى التّلاعب بالتّصويت ومعترضة على تغيير مجلس الانتخابات في اللّحظة الأخيرة لقواعده بطريقة ربّما تكون غير قانونيّة بناء على طلب حزب العدالة والتّنمية.

لا تزال شرعيّة النّتائج موضع خلاف كبير. فالتصويت بـ"كلا" طغى في اسطنبول، وأنقرة، وإزمير وعدد من المدن الكبرى الأخرى، إلى جانب مناطق ذات أكثريّة كرديّة. وفيما كان أردوغان يتكلّم، بدأ مئات الأشخاص بضرب القدور والمقالي بشكل عفوي في منطقة بايوغلو. وعلى موقع بيرسكوب على منصّات التّواصل الاجتماعي، جرت طوال اللّيل مشاركة تسجيلات لمحتجّين يسيرون في عدد من المدن.

بشكل عام، وكمراقب منذ 30 عامًا، يمكنني القول إنّ هذا الاستفتاء كان فكرة سيّئة، فالجميع في تركيا خسروا باستثناء الأقليّة المحظوظة في دائرة أردوغان العليا، على الأقلّ على المدى القريب. والسّؤال الآن هو التّالي: كيف ستقوم تركيا، في وضعها المتزعزع، بالانتقال إلى النّظام الرّئاسي؟

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : sirnak, constitutional reform, recep tayyip erdogan, istanbul, social media, referendum, akp

At times, Al-Monitor withholds the bylines of our correspondents for the protection of our authors. Different authors may have written the individual stories identified on this page.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept