نبض سوريا

العمليّات العسكريّة الزاحفة والهدنات تثير التوتّر في صفوف الثوّار السوريّين في الجنوب

p
بقلم
بإختصار
تمكّنت قوّات الجبهة الجنوبيّة السوريّة، التي تواجه تهديدات من تنظيم الدولة الإسلاميّة والحكومة من مختلف الجهات، من الصمود حتّى الآن في درعا على الرغم من الهجمات والهدنات الحكوميّة التي ترغم الجماعات المحليّة على عقد اتّفاقات مع حكومة الأسد.

بيروت – أصبح دور درعا في الثورة السوريّة جزءاً من ثقافة الربيع العربيّ. ففي آذار/مارس 2011، اعتقلت القوى الأمنيّة مجموعة من التلاميذ واستجوبتهم وعذّبتهم بعد أن رشّوا رسومات مناهضة للحكومة على أحد الجدران. وبعد فترة قصيرة، انطلقت حركة احتجاجيّة وطنيّة من المدينة الجنوبيّة وانتشرت إلى مدن سوريّة كبيرة عدّة.

لكنّ فصائل الجيش السوريّ الحرّ التابعة للجبهة الجنوبيّة – التي عُلّقت عليها الآمال في السابق باعتبارها قوّة مقاتلة معتدلة في وجه الرئيس السوريّ بشار الأسد – بدأت تواجه المصاعب في درعا بشكل متزايد. فقد تعرّضت لمخاطر من مجموعات منافسة، بما في ذلك بروز مجموعات مرتبطة بتنظيم الدولة الإسلاميّة بالقرب من حدود سوريا الغربيّة الجنوبيّة مع الأردن وهضبة الجولان الخاضعة للاحتلال الإسرائيليّ. وتغيّرت الأولويّات أيضاً في مركز العمليّات العسكريّة الذي هو هيئة تنسيقيّة مقرّها الأردن تشمل وكالة الاستخبارات المركزيّة الأميركيّة بالإضافة إلى الاستخبارات الأردنيّة والخليجيّة التي دعمت الجبهة الجنوبيّة في السنتين الماضيتين.

وعلى الرغم من الهدوء النسبيّ على الجبهات الأماميّة بين الثوّار والحكومة منذ وقف الأعمال العدائيّة في شباط/فبراير، يمارس الجيش السوريّ، المدعوم من حزب الله اللبنانيّ برّاً ومن الطائرات الروسيّة جوّاً، ضغوطاً متزايدة على مدن عدّة في ريف درعا. وتوقّع الكثيرون حصول هجوم واسع النطاق منذ فشل وقف إطلاق النار الأخير على مستوى البلد ككلّ في منتصف أيلول/سبتمبر.

وقال الناطق باسم الجبهة الجنوبيّة عصام الريس إنّ الثوّار تمكّنوا من الصمود على الرغم من خسارتهم قاعدة عسكريّة سابقة بين درعا ومدينة الشيخ مسكين الخاضعة لسيطرة الحكومة في 2 أيلول/سبتمبر.

وقال الريس لـ "المونيتور": "شنّ النظام هجوماً بالاستيلاء من جديد على الكتيبة المهجورة ... والسعي إلى السيطرة على داعل وأبطع [نظراً إلى] موقعهما الاستراتيجيّ لتقوية مناطقه أو أراضيه وتعزيز أمن الطريق السريع الرئيسيّ وطريق التعزيزات الرئيسيّ بين دمشق ودرعا".

وهذا الأسبوع، أسفر كمين نصبته القوّات الحكوميّة عن مقتل عشرات المقاتلين الثوّار في المنطقة نفسها التي تقع فيها الكتيبة المهجورة، التي هي عبارة عن قاعدة دفاع جويّ خارج الخدمة في الريف جنوب شرق أطبع. ووفقاً لمجموعة المراقبة التابعة للمرصد السوريّ لحقوق الانسان في بريطانيا، لقي 43 مقاتلاً حتفهم عندما "تمكّنت القوّات النظاميّة من محاصرتهم وقطع الطرقات التي أعدّوها من أجل [الهرب]".

لكنّ الثوّار بدأوا يواجهون أيضاً مخاطر داخليّة متزايدة. فبما أنّ الحكومة عجزت حتّى الآن عن السيطرة من جديد على داعل أو أبطع بالقوّة، قال الريس إنّها "بدأت تستهدف المدنيّين في هاتين البلدتين للضغط عليهم كي يخضعوا... وتمكّنت من تجنيد بعضهم كعملاء".

وشملت تلك الضغوط عروض هدنات، بالإضافة إلى التهديد بعمليّات قصف أو تنفيذ عمليّات قصف فعليّة. وبحسب سكّان وناشطين محليّين، هرب آلاف المدنيّين من داعل وأبطع منذ أيلول/سبتمبر.

ويسود جوّ من الشكّ، لا بل من الذعر. ويتحدّث الثوّار عن خلايا نائمة وجواسيس.

وفي 22 تشرين الأول/أكتوبر، أعلنت الفصائل الثوريّة في الجيش السوريّ الحرّ في داعل عن توقيف خليّة نائمة مؤلفة من أربعة رجال "تعمل بالنيابة عن النظام في المدينة". وذكرت الوسائل الإعلاميّة المؤيّدة للمعارضة أنّ الرجال كانوا يحملون جهازات لاسلكيّة يستخدمونها للتواصل مع القوّات الحكوميّة.

وقال مسؤول في دار العدل من ريف درعا يدعى الشيخ عصمت لـ "المونيتور" إنّ الرجال "كانوا يتجسّسون لصالح قوّات الأسد و... يبلغون القوّات النظاميّة بأماكن المجموعات الثوريّة". وأشار إلى أنّ مقاتلين ثوّار قُتلوا بسبب ذلك.

ولقي رجلان اثنان من هؤلاء الرجال حتفهم بعيد توقيفهما بينما كانا يحاولان مقاومة الحرّاس والإمساك بسلاح، بحسب ما جاء في بيان الثوّار. أمّا الرجلان الآخران، وهما فايز محمود قطليش والفلسطينيّ حسين علي الناصر، فتمّ تسليمهما إلى مسؤولين في دار العدل في بلدة مجاورة.

وتضمّن بيان الفصائل الثوريّة تهديداً وعدت فيه تلك الفصائل بـ "ضرب جميع من يتعاملون مع النظام المجرم بشكل مباشر أو غير مباشر بيد من حديد".

لكن هناك مؤشّرات تدلّ على أنّ الهجمات الحكوميّة الزاحفة والهدنات التي يتمّ عرضها بقوّة السلاح تدفع بعض الأفراد من الجماعات المحليّة إلى عقد اتّفاقات صلح مع دمشق. وفي 28 شباط/فبراير، ذكرت الوكالة العربيّة السوريّة للأنباء "سانا" أنّ 1200 مدنيّ وزعيم جماعة شاركوا في اجتماع صلح. وقد عُقدت اجتماعات مماثلة في المنطقة مذّاك الوقت.

وقال الناطق باسم الجبهة الجنوبيّة عصام الريس إنّ مفاوضات الهدنات يسهّلها "عملاء" في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة وإنّها ستؤدّي في نهاية المطاف إلى كارثة بالنسبة إلى الثورة الجنوبيّة.

وقال لـ "المونيتور": "نعتبر أنّ معظم المدنيّين يعارضون هذه الهدنات، لكنّ الأشخاص المؤيّدين للهدنات هم عملاء للنظام. نحن لا نميّز بيننا وبين المدنيّين، فالمدنيّون هم عائلاتنا. وما من اختلاف في آرائنا".

ورأى أستاذ مدرسة رفض الكشف عن اسمه لأسباب أمنيّة أنّ الجوّ في أوساط بعض المدنيّين بدأ يتغيّر. فقال لـ "المونيتور": "حاولت مجموعات من المدنيّنين والمواطنين السوريّين إقامة صلح [مع الحكومة] لكنّ قادة الجيش السوريّ الحرّ أوقفتها. مع ذلك، ذهب بعض الأشخاص – بما في ذلك موظّفو [دولة] – وتصالحوا مع النظام من أجل أجورهم والتمكّن من الاستمرار في العمل".

وأضاف: "يخشى الناس أن يتحوّل الوضع إلى وضع مماثل لما حصل في الغوطة حيث دفعت عمليّات الإجلاء الناس إلى الانتقال من مدينة إلى أخرى"، في إشارة إلى صفقات الحصار والهدنات والإجلاء التي شهدتها مؤخّراً داريا ومعضمية بالقرب من دمشق، والتي توقّع الكثيرون منذ فترة طويلة حصولها في الغوطة الشرقيّة بالقرب من دمشق أيضاً.

ولهذا السبب أيضاً بات الناس يميلون إلى الهدنات، بحسب أستاذ المدرسة، الذي أضاف: "يخشى المدنيّون أن يتمّ تهجيرهم من درعا".

لقد تلت عمليّات التوقيف في داعل تحقيقاً أجرته الشبكة السوريّة لحقوق الانسان في بريطانيا على مدى أشهر ونُشرت نتائجه في 10 تشرين الأول/أكتوبر وجرى فيه اتّهام فصيلة ثوريّة من الجبهة الجنوبيّة بخطف منشقّ عن الجيش وتعذيبه كان يفاوض بشأن صفقة محليّة مع ممثّلين عن الحكومة.

لقد قامت فصيلة شباب السنّة من الجيش السوريّ الحرّ التابعة للجبهة الجنوبيّة بتعذيب المنشقّ زيدان النصيرات حتّى الموت في آذار/مارس. في تلك الفترة، كان النصيرات عضواً في لجنة في مسقط رأسه أبطع مكلّفة التفاوض بشأن هدنة من أجل وقف عمليّات القصف وتسهيل النفاذ إلى المساعدات الانسانيّة. وقد اختار زعماء الجماعات المحليّة النصيرات من أجل هذه المهمّة، وفقاً للشبكة السوريّة لحقوق الانسان.

لكن يبدو أنّ مشاركة النصيرات في هذه المهمّة أثارت غضب الفصائل الثوريّة المحليّة التي اعتبرته مصدر إزعاج وجاسوساً للنظام.

ووصف زعيم شباب السنّة، أحمد العودة، النصيرات الأسبوع الماضي بأنّه "عميل للنظام"، نافياً أن يكون له أيّ دور في وفاته. وزعم العودة أنّ النصيرات توفّي من جرّاء مرض مزمن في القلب.

وعلى ما يبدو، تؤكّد تسجيلات سرّبها مقاتلون مستاءون تابعون لشباب السنّة، بعد "انقلاب عسكريّ" داخليّ في آب/أغسطس، المزاعم بشأن تولّي العودة شخصيّاً إدارة عمليّة استجواب النصيرات العنيفة. ففي التسجيلات يمكن سماع صوت العودة بين أصوات الصراخ والضرب.

ويحذّر المحلّلون منذ أشهر عدّة من احتمال تفكّك الجبهة الجنوبيّة – لأنّ الثوّار الجنوبيّين يواجهون تهديدات على جبهتين: من "داعش" غرباً ومن الحكومة شمالاً وشرقاً، وتراجع الدعم من مركز العمليّات العسكريّة في عمّان.

لكن يبدو أنّ الثوّار في مهد الثورة السوريّة بدأوا يخوضون ربّما معركة جديدة وفاعلة جداً، وهي معركة من أجل نيل الشرعيّة والدعم من المدنيّين المحاصرين والمتعبين من التفجيرات في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : syrian rebels, syrian civil war, southern front, is, free syrian army, daraa, cease-fire, bashar al-assad
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept