نبض مصر

"احنا نجوع بس نبني بلدنا": شعار لا تؤمن به الحكومة المصريّة

p
بقلم
بإختصار
التقشّف سياسة نادى بها الرئيس عبد الفتّاح السيسي في مناسبات عدّة، وكانت أبرز تصريحاته في هذا الصدد: "احنا نجوع بس نبني بلدنا"، هكذا تحدّث خلال لقاء تلفزيونيّ في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2015، بعد حادث انفجار الطائرة الروسيّة. ويبدو أنّ حديث عبد الفتّاح السيسي، الّذي وصل إلى مسامع ملايين المصريّين، على خلاف استجاباتهم من رفض أو قبول له، لم يصل إلى وزراء نظامه ورئيس حكومته. وأظهرت...

التقشّف سياسة نادى بها الرئيس عبد الفتّاح السيسي في مناسبات عدّة، وكانت أبرز تصريحاته في هذا الصدد: "احنا نجوع بس نبني بلدنا"، هكذا تحدّث خلال لقاء تلفزيونيّ في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2015، بعد حادث انفجار الطائرة الروسيّة. ويبدو أنّ حديث عبد الفتّاح السيسي، الّذي وصل إلى مسامع ملايين المصريّين، على خلاف استجاباتهم من رفض أو قبول له، لم يصل إلى وزراء نظامه ورئيس حكومته.

وأظهرت الفترة السابقة العديد من أوجه المبالغة في الإنفاق الحكوميّ، بما يخالف مبدأ التقشّف، على مستويات عدّة، حيث قالت جريدة "البوّابة نيوز" في 20 آب/أغسطس إنّ مصدراً حكوميّاً مطّلعاً كشف لها أنّ صندوق النّقد الدوليّ في تقاريره عن الوزارات والهيئات المصريّة قبل الموافقة لمصر على قرض الـ12 مليار دولار، وأبدى استياءه من كثرة عدد المستشارين في كلّ وزارة، وجاء ذلك بالتّوازي مع تقارير للجهات الرقابيّة المصريّة عن وجود عدد كبير من المستشارين في وزارات التّموين والتّعاون الدوليّ والصحّة والاستثمار والتّعليم والصناعة والماليّة يتقاضون أجوراً ضخمة وتدرج أسماؤهم في كشوف الحوافز دائماً، رغم حضورهم إلى العمل لفترات بسيطة من دون أن يقدّموا خدمات حقيقيّة إلى الوزارات.

ولم تنته أوجه الإنفاق عند حدود المستشارين، ولكن نشرت صحيفة "المصريّ اليوم" في 28 تمّوز/يوليو أنّ مجلس الوزراء تقدّم بمشروع قانون يقضي بزيادة رواتب رئيس الوزراء ونوّابه والوزراء ونوّابهم والمحافظين، وأنّ التشريع الجديد مطروح حاليّاً أمام قسم التشريع في مجلس الدولة لإعادة صياغته قانونيّاً، وفقاً للمبادئ الدستوريّة.

وينظّم القانون 100 لسنة 1987 رواتب المسؤولين السابق ذكرهم، وتأتي التعديلات المقترحة كالآتي:

أولّاً: رئيس مجلس الوزراء يتقاضى 42 ألف جنيه شهريّاً، وهو الحدّ الأقصى للأجور، ليكون إجماليّ راتبه 504 آلاف جنيه سنويّاً، وهي زيادة تقدّر بـ4200 في المئة، مقارنة بإجماليّ ما ذكر في القانون القديم، وهو راتب 6 آلاف جنيه مصريّ سنويّاً، و6 آلاف جنيه بدل تمثيل أيّ أنّ الإجماليّ كان 12 ألف جنيه سنويّاً.

ثانياً: 35 ألف جنيه راتباً شهريّاً للوزراء والمحافظين، ليكون الإجماليّ السنويّ 420 ألف جنيه، بعد أن كان 9 آلاف جنيه سنويّاً (4800 راتب سنويّ، و4200 بدل تمثيل)، وهي زيادة تقدّر بـ4600 في المئة.

ثالثاً: يتقاضى نوّاب الوزراء ونوّاب المحافظين 30 ألف جنيه شهريّاً، ليكون الإجماليّ 360 ألف جنيه سنويّاً، وهي فئة لم ينص القانون القديم على رواتبها.

أثار القانون المقترح انتقادات النوّاب أنفسهم، الّذين منحوا الحكومة الحاليّة الثقة، حيث قال عضو مجلس النوّاب الدكتور أيمن أبو العلا لـ"المونيتور": إنّ الحكومة والوزراء لا بدّ أن يكونوا قدوة للمواطن، الّذي يطالبونه بخفض إنفاقه، وإلاّ لن يصدّق المواطن هذه الدعوات، فالظرف الإقتصاديّ لا يسمح بزيادة في رواتب المسؤولين الكبار.

من جهته، قال محمّد أبو حامد، وهو عضو مجلس النوّاب وعضو إئتلاف "دعم مصر" صاحب الأغلبيّة، في تصريحات صحافيّة: إنّ البرلمان لن يوافق على القانون المقترح من الحكومة لأنّ التحدّيات الإقتصاديّة أمام البرلمان والحكومة لا تسمح بذلك.

فيما اتّفق معه في الرأي هيثم الحريري، إذ قال في تصريحات صحافيّة: لا مشكلة من حيث المبدأ، لكنّ الظرف الإقتصاديّ الحاليّ لا يسمح إطلاقاً.

وللوقوف عند ملامح السياسة الإقتصاديّة المصريّة، تواصل "المونيتور" مع الخبير الإقتصاديّ الدكتور مدحت نافع، الّذي قال: "بالطبع، سياسات الحكومة تجاه المواطن فيها دعوة صريحة إلى ترشيد الإنفاق، من خلال السعي إلى خفض العمالة الحكوميّة بقانون الخدمة المدنيّة وزيادة الضرائب. وسيتمّ عن طريق قانون ضريبة القيمة المضافة، رفع الدعم تدريجيّاً، كما يتمّ مع أسعار الوقود والكهرباء، هذه بالطبع سياسات تقشّف أو ترشيد على الأقلّ. وبالتّالي، فالحكومة الملتزمة ببرنامج تقشفيّ أو ترشيديّ لا بدّ أن تطبّقه أوّلاً على نفسها".

واتّفقت مع مدحت نافع في الرأي الخبيرة المصرفيّة والإقتصاديّة والعضو في مجلس النوّاب بالوقت ذاته الدكتور بسنت فهمي، إذ قالت لـ"المونيتور": "لا بدّ من التوقّف عن المبالغة في الإنفاق الحكوميّ سواء في المكافآت والبدلات والحراسة وغيرها أو في عدد المسؤولين الزائد عن اللزوم. في مصر 34 وزيراً، وهو رقم غير موجود في أيّ دولة أخرى، لا بدّ من خفض عدد الوزارات وخفض الإنفاق داخل كلّ وزارة على المستشارين وخفض عدد البعثات الديبلوماسيّة ومكاتب التمثيل التجاريّ المصريّة في الخارج وتكثيف العمل على المكاتب المتبقّية".

ومن الناحية السياسيّة، قال الباحث السياسيّ في مركز الأهرام للدراسات السياسيّة والاستراتيجيّة يسري العزباوي لـ"المونيتور": إنّ مدخول الوزراء الحقيقيّ يختلف بالطّبع عمّا هو في قانون 100 لسنة 1987، وهو بالطبع أعلى من ذلك بسبب البدلات المرتفعة، وربّما أعلى ممّا يقرّه القانون الجديد. ومن حيث المبدأ، يفترض أن تكون مرتّبات المسؤولين في مناصب حسّاسة مثل الحكومة مرتفعة، وربّما يضع القانون المقترح حدّاً لحال المبالغة في البدلات الّتي يتقاضاها الوزراء، لكنّ توقيت المطالبة بزيادة لا يتناسب مع الوضع الإقتصاديّ، ولا السياسيّ، فمن الناحية السياسيّة الدعم يرفع عن المواطن تدريجيّاً، وتزداد عليه الضرائب، إضافة إلى ارتفاع الأسعار، وهي مسؤوليّات يحمّلها المواطن إلى الحكومة. ولذلك، المطالبة بالزيادة ستدين الحكومة سياسيّاً لدى المواطن الّذي يعتبرها أخفقت في تخفيف الأعباء الإقتصاديّة عنه حتّى لو لم تكن الحكومة مسؤولة بالفعل. كما سيدينها المواطن لأنّه سيعتبرها تتبنّى سياسة وتطبقّها عليه ولا تطبقّها على نفسها.

ويذكر أنّ مصدر "البوّابة نيوز" الحكوميّ، قال في سياق الحديث إلى الجريدة عن المستشارين وأجورهم، إنّ رئيس الوزراء أمر بتعميم منشور على كلّ الوزارات، الّتي بلغ فيها عدد المستشارين 7 أو 8، بأن يتمّ تقليص العدد إلى مستشارين اثنين، وأن يعاد النّظر في أجورهما وحوافزهما، وأن يتمّ تعيينهما بموجب عقود سنويّة قابلة للتجديد أو الإلغاء، وليس تعييناً مدى الحياة. كما يتمّ في معظم الأحيان.

وأظهر ما نشرته "البوّابة نيوز" مدى المبالغة في تعيين المستشارين، حيث قال المصدر في حديثه إلى الجريدة إنّ الوزارات تعجّ بالمستشارين الّذين تمّ تعيينهم في عهود سابقة حتّى وصل عددهم في الوزارات المصريّة إلى 120 ألف مستشار تصل رواتبهم إلى ملياري جنيه، بحسب تقريره المنشور في "البوّابة"، متوقّعاً أن تتمّ تصفية الكثير منهم قريباً، فهل تكون الضغوط الّتي خلقها الاقتراض من صندوق النقد الدوليّ دافعاً للنّظام المصريّ لترشيد ما ينفق على الوزراء ومستشاريهم؟!

وجد في : salaries, egyptian pound, egyptian politics, egyptian parliament, egyptian government, egyptian economy, austerity, abdel fattah al-sisi
x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X