نبض فلسطين

أضرحة ومقامات غزّة... بين البقاء والاندثار

p
بقلم
بإختصار
غرفة تعلوها قبّة مبنيّة من الحجر الرخاميّ القديم تقع على الطريق العام في قرية بني سهيلة شرق مدينة خانيونس، ويتوسّطها قبر، جلّ ما تبقّى من مقام الشيخ يوسف، ويعتقد الفلسطينيّون من سكّان قطاع غزّة أنّه مدفون فيه رفات لأحد الرجال الصالحين المسلمين مجهول الهوية.

خانيونس، قطاع غزّة - غرفة تعلوها قبّة مبنيّة من الحجر الرخاميّ القديم تقع على الطريق العام في قرية بني سهيلة شرق مدينة خانيونس، ويتوسّطها قبر، جلّ ما تبقى من مقام الشيخ يوسف، ويعتقد الفلسطينيّون من سكّان قطاع غزّة أنّه مدفون فيه رفات لأحد الرجال الصالحين المسلمين مجهول الهوية، لكنّ رغم وقوع المقام في نقطة مزدحمة بالمارّة والسكّان، غير أنّه أصبح مهجوراً ومغلقاً منذ سنوات من قبل بلدية قرية بني سهيلة من دون أن تطأه قدم أيّ من السكّان نظرا لاندثار ظاهرة التبرّك بالأضرحة والمقامات، كعدد كبير من المقامات والأضرحة في قطاع غزّة التي استمرت عادة زيارتها منتشرة في فلسطين بشكل عام حتى سنوات قريبة، بالإضافة إلى إقامة مهرجانات سنوية حولها.

أمّا على العكس منه، فإنّ مقام الخضر في منطقة مكتظة بالسكان في مدينة دير البلح وسط قطاع غزّة ترمّمه اليوم جمعية نوى للتراث والفنون المحليّة وبتمويل من منظّمة اليونيسكو لإعادة تهيئته لاستقبال الزوّار واستخدام أجزاء منه كمكتبة ليكون مَعلما ثقافيا مميّزا.

وفي هذا السياق، قال المتخصّص في علم الآثار والمسؤول السابق عن الحفر والتّنقيب في وزارة السياحة والآثار بقطاع غزّة أسعد عاشور لـ"المونيتور": ما زالت قائمة في قطاع غزّة نحو ستة مقامات وأضرحة قديمة، ناهيك عن اندثار عدد كبير منها بسبب عوامل الإهمال المجتمعي والحكومي.

أضاف: "المتبقّي منها هو مقام الخضر في دير البلح ، ومقام الزاوية الأحمديّة في حيّ الدرج بمدينة غزّة، ومقام الشيخ يوسف في قرية بني سهيلة، ومقام الشيخ محمّد في ضواحي مدينة خانيونس أيضاً، ومقام الشيخ بشير في حيّ التفاح بشرق مدينة غزّة، إذ قمت قبل خمسة أعوام بالتّنقيب فيه، حيث وجدت شواهد قبور منزوعة من أماكن أخرى ولوحات رخاميّة عليها كتابات مجلوبة أساساً من مساجد مندثرة لا علاقة لها بالمكان، وآخر تلك المقامات القديمة وأكبرها هو مقام السيّد هاشم جدّ النبيّ محمّد الواقع داخل مسجد السيّد هاشم في مدينة غزّة، وهو حاليّاً في طور النسيان".

ولفت إلى أنّ هذه المقامات مهملة من قبل الجمهور الّذي توقّف عن ارتيادها في الوقت الراهن، وقال: "كانت لها في السابق مواسم يجتمع الناس فيها من كلّ الأماكن في قطاع غزّة وتستمرّ لأيّام عدّة. أما الآن فلا تلقى أيّ اهتمام من الجهات الحكوميّة بسبب نقص الموارد الماليّة للعناية بها، وكذلك انشغال الناس بهموم الحياة اليوميّة المتزايدة، ما عدا مقام الخضر الّذي تمّ ترميمه أخيراً بتمويل من اليونيسكو".

عدم اعتراف أو تواصل وزارة السياحة والآثار في الضفة الغربية والتي تتبع لحكومة التوافق التي شُكّلت في الأول من يونيو عام 2014، حال هذا الأمر دون تمويل نشاط وزارة الآثار في غزة وقيامها بواجبها بالحفاظ على المقامات والأضرحة، واقتصر تمويل ميزانية الوزارة في غزة على بعض الضرائب التي تحصّلها حماس في قطاع غزة.

وبحسب أسعد عاشور، فإنّ مقام الخضر الّذي أعيد بناؤه في ثلاثينيّات القرن الماضي من الحجارة غير المهندمة وبطريقه بدائيّة، يعتبر مكاناً مقدّساً عند المسلمين الّذين يعتقدون أنّ المدفون فيه شيخ مسلم اسمه الخضر، وقال: "لكنّ الكتابات الّتي توجد على القبر تشير إلى أنّه للقديس المسيحيّ هيلاريون الّذي هرب من اضطهاد الرومان في القرن الرابع الميلاديّ، عندما ارتدّ الإمبراطور جوليان عن المسيحيّة وهدم الدير الّذي أقامه هيلاريون على شاطئ بحر النصيرات في وسط قطاع غزّة، والّذي يعتبر من أكبر الأديرة في فلسطين، والذي لازال حتى يومنا هذا قائما منه أجزاءً كبيرة ويُطلق عليه اسم تل أم عامر".

من جهته، أشار المدير العام للإدارة العامّة للآثار والتراث الثقافيّ في وزارة السياحة والآثار بغزّة جمال أبو ريدة لـ"المونيتور" إلى أنّ وزارته مهتمّة بالحفاظ على الأضرحة والمقامات في قطاع غزّة، وقال: "رغم الضائقة الماليّة الّتي تمرّ بها الوزارة بسبب عدم توافر التّمويل، إضافة إلى نقص الإمكانات البشريّة، لكنّ اليوم وبتمويل من منظّمة اليونيسكو يتمّ مثلاً ترميم مقام الخضر وضريحه في مدينة دير البلح. ولذلك، مطلوب الحفاظ على كلّ الأضرحة والمقامات المنتشرة في قطاع غزّة".

وطالب بتعديل التّشريعات الفلسطينيّة الخاصّة بقانون الآثار الفلسطينيّ رقم 5، الّذي يعود إلى عهد الإنتداب البريطانيّ على فلسطين وسنّ في عام 1929وتنقصه العقوبات المناسبة لمنع التعدّي على المواقع الأثريّة، ومن بينها المقامات، لافتاً إلى ضرورة توفير موازنات مناسبة لوزارته للقيام بوظيفتها تجاه هذه المقامات وترميمها وصيانتها.

إنّ اندثار بعض الأضرحة والمقامات في قطاع غزّة وتراجع زياراتها في شكل كبير، يعودان أيضاً إلى ازدياد التديّن والتوعية الدينيّة الّتي يتعرّض لها الزوّار من قبل علماء الدين المسلمين منذ سنوات لأنّ زيارتها تتعارض مع تعليمات الدين الإسلاميّ.

وفي هذا السياق، أشار عالم الدين المسلم في قطاع غزّة محمّد سكيك لـ"المونيتور" إلى أنّ هناك فرقاً بين زيارة القبور من أجل أخذ الموعظة والاعتبار، وهي المشروعة في الدين الإسلاميّ، وبيّن زيارة الأضرحة من أجل الاستشفاء بهم أو التوسّل بهم أو طلب الحاجة منهم، وهي غير مشروعة، وفق قوله. وانقرضت تقريباً هذه الأمور، إلاّ من بعض ما يحصل من فئة قليلة من الناس في بعض الأضرحة شرق مدينة خانيونس، وقال: "نهت الأحاديث الواردة عن النبيّ محمّد عن رفع القبور عن الأرض والبناء عليها، إضافة إلى أنّه الأصل ووفق عقيدتنا الإسلامية أن يدفن المسلم في مقابر المسلمين، ولا يجوز دفنه في مكان خاص به، فيتّخذه الجاهلون وثناً يعبد من دون الله".

ولفت إلى أنّ قبل سنوات كانت هناك زيارات كثيرة لأضرحة موجودة في قطاع غزّة، مثل مقام السيّد هاشم في مدينة غزّة، إذ كانت تأتيه وفود المسلمين من الخارج لزيارته وطلب المدد منه، علما أنّ هاشم جدّ النبيّ محمّد مات قبل أن يدخل الإسلام.

وعزا عادة إنشاء المقامات والأضرحة إلى بداية القرن الرابع الهجريّ على يدّ المنتمين إلى المذهب الشيعيّ، وقال: "لم تكن في القرون الثلاثة الأولى من هجرة النبيّ محمّد من مكّة إلى المدينة أضرحة تشدّ الرحال إليها، لكنّ أوّل من أحدث هذا الأمر هم الشيعة في القرن الرابع الهجريّ، حيث بدأوا ببناء الأضرحة والمشاهد على قبور أئمتهم، كقبر الحسين في كربلاء، وقبر موسى الكاظم في الكاظميّة بالعراق، وقبر السيّدة زينب في سوريا".

ورغم إقلاع غالبيّة السكّان في قطاع غزّة عن زيارة الأضرحة والمقامات، غير أنّ الكثير من الأصوات تنادي للحفاظ عليها بحكم أنّها إرث إنسانيّ وثقافيّ.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : shrines, palestinian culture, palestinian authority, neglect, islam, gazan society, gaza strip, antiquities

محمد عثمان هو صحفي من قطاع غزّة. تخرّج في العام 2009 من قسم الإذاعة والتلفزيون في كليّة الإعلام في جامعة الأقصى في غزّة، ونال عددًا من الجوائز في فلسطين والعالم العربي، بما في ذلك جائزة الصحافة العربية في دبي في دورتها العاشرة في العام 2011 محتلاً المركز الأوّل عن فئة الصحافة العربية للشباب، وأيضًا جائزة حرية الصحافة من المركز الإعلامي الحكومي في فلسطين في دورتها الأولى للعام 2011. ونال أيضًا جائزة المركز الثالث في مسابقة التحقيقات الاستقصائيّة في قضايا الفساد التي نظّمها في العام 2013 كلّ من مركز تطوير الإعلام في جامعة بيرزيت وهيئة مكافحة الفساد.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept