وثائق بنما... تكشف المستور من فساد السلطة الفلسطينيّة

انشغل الفلسطينيّون في الأيّام الأخيرة بمتابعة الكشف عن وثائق "بنما"، الّتي حملت أسراراً جديدة عن علاقات عدد من رجالات السلطة الفلسطينيّة بقضايا الفساد والتهرّب الضريبيّ والتكسّب من المال العام. ولعلّ خطورتها أنّ بعض الأسماء الواردة على صلة وثيقة بدوائر صنع القرار الفلسطينيّ، وصولاً إلى الرئيس محمود عبّاس، ومنها: نجله طارق ووزير سابق، وشركة إقتصاديّة مرموقة.

al-monitor .

المواضيع

panama papers, palestinian politics, palestinian authority, money laundering, mahmoud abbas, corruption, bribery

أبر 15, 2016

منذ نشأة السلطة الفلسطينيّة في عام 1994، دأبت منظّمات محليّة ودوليّة على إصدار تقارير تتابع ملفّات الفساد داخل وزاراتها ودوائرها الحكوميّة، ولم يقتصر الفساد فيها على تجاوزات إداريّة وماليّة بحتة يرتكبها أفراد غير مسؤولين بدافع المصالح الشخصيّة، بل إنّه فساد مزمن ومتأصّل في هيكل السلطة الأساسيّ.

غياب المساءلة

وآخر ما كشف النّقاب عن مظاهر الفساد في السلطة الفلسطينيّة ما سمّي بـ"وثائق بنما"، الّتي نشرت في 4 نيسان/أبريل، وأظهرت تورّط شخصيّات عالميّة بالتهرّب الضريبيّ وتبييض أموال، ومن الأسماء الفلسطينيّة الواردة فيها طارق عبّاس، وهو نجل الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس، وقالت الوثائق إنّه يملك شركة قابضة بشكل سريّ تتعدّى قيمتها المليون دولار في جزر فرجينيا، بالشراكة مع السلطة الفلسطينيّة.

كما ورد اسم نائب رئيس الوزراء الفلسطينيّ السابق المستقيل في عام 2015 ورئيس صندوق الاستثمار الفلسطينيّ محمّد مصطفى، من دون الكشف عن حجم الأموال الّتي تعامل بها، وتناولت الوثائق الشركة العربيّة الفلسطينيّة للاستثمار "أيبك"، وهي إحدى أكبر الشركات في فلسطين وتضمّ ما يتجاوز الـ1500 موظّف.

وفي هذا الإطار، قال رئيس تحريرمجلّة "الإقتصاديّة" محمّد أبو جياب لـ"المونيتور": "لا خلاف على مصداقيّة وثائق بنما، فبعض الشخصيّات الفلسطينيّة والشركات المرتبطة بها تعمل في تبييض الأموال. ولقد حصلت على معلومات أخيرة تفيد بأنّ هناك حراكاً ديبلوماسيّاً دوليّاً لمتابعة تورّطها بهذه المخالفات عقب كشف وثائق بنما، الّتي سيكون لها الأثر البالغ على مستويين: سياسيّ من خلال إمكانيّة خضوع السلطة الفلسطينيّة إلى ضغوط ومساءلة دوليّة حول دورها في استخدام الأموال بعيداً عن العيون الدوليّة، وضرر إقتصاديّ تمويليّ مرتبط بتراجع الجهود الدوليّة للنهوض بالإقتصاد الفلسطينيّ، لكنّي لا أرى أنّ هناك تحرّكاً قضائيّاً على المستوى الفلسطينيّ المحليّ للتّحقيق بهذه الملفات".

وتزامن الكشف عن وثائق "بنما" مع نتائج استطلاع للرأي العام الفلسطينيّ أجراه المركز الفلسطينيّ للبحوث السياسيّة والمسحيّة في الضفّة الغربيّة،ونشره في 4 نيسان/أبريل، جاء فيه أنّ نسبة الفلسطينيّين الّذين يعتقدون بوجود فساد في السلطة الفلسطينيّة تبلغ 79 في المئة.

وتواصل "المونيتور" مع مكتب محمّد مصطفى، الّذي ورد اسمه في وثائق "بنما"، وزوّد "المونيتور" بتوضيح خطيّ جاء فيه: "المعلومات الواردة في وثائق بنما ليست سريّة، بل متوافرة للعامّة، وتتعلّق بعضويّتي في مجلس إدارة شركة أبيك، وإنّي أسجّل استغرابي للجوء بعض وسائل الإعلام للإثارة من دون أيّ أسس، ممّا يدفعني إلى مطالبتها باتّباع الأساليب المهنيّة والموضوعيّة، بعيداً عن العناوين المبهمة والفضفاضة الّتي تهدف إلى التّهويل، والعودة إلى المصادر الأصليّة وأصحاب الشأن".

ويقوم الفساد في مؤسّسات السلطة الفلسطينيّة على الشبكات الزبائنيّة، الّتي تحكم طبيعة العلاقات في مؤسّساتها وإداراتها، وتمنح النخبة الفلسطينيّة الحاكمة أداة استراتيجيّة للسيطرة على القواعد الشعبية، وتوسيع شبكة مؤيّديها بإعادة توزيع الموارد العامّة لشراء الولاءات السياسيّة، ممّا ساعدها في المحافظة على الوضع الراهن والهيمنة على الأصول السياسيّة والإقتصاديّة، وتنفيذ أجندتها السياسيّة من دون معارضة فاعلة.

وتواصل "المونيتور" مع رئيس هيئة مكافحة الفساد رفيق النتشة - وهذه الهيئة هي جهة رسميّة تابعة للسلطة الفلسطينيّة- فأبلغه أنّه لم يطّلع بما فيه الكفاية على ما نشرته وثائق "بنما"، فيما شدّد منسّق إئتلاف النزاهة والشفافيّة "أمان" عزمي الشعيبي في 8 نيسان/أبريل على ضرورة التحقيق مع الأسماء الواردة في وثائق "بنما".

ومن جهته، قال رئيس لجنة الرقابة في المجلس التشريعيّ الفلسطينيّ يحيى موسى لـ"المونيتور": "وثائق بنما كشفت المزيد من الحقائق عن فساد السلطة الفلسطينيّة، لكن في الحقيقة إنّ هذه السلطة تمنح بيئة مثاليّة لظهور الفساد، فهي ذات مهام أمنيّة لصالح إسرائيل، ومقابل أدائها لها يتغاضى المجتمع الدوليّ عن فسادها، فأصبح شريكاً لها في فسادها، ويغضّ الطرف عن الاحتكارات الإقتصاديّة للرئيس عبّاس وعائلته والمقرّبين منه، ويتركهم يتلاعبون في المساعدات الإقتصاديّة الآتية من الدول المانحة".

التحقيقات القضائيّة

ولقد حاول "المونيتور" التّواصل عبر طرق عدّة مع طارق عبّاس، نجل الرئيس، من دون جدوى، لكنّ مسؤولاً سياسيّاً فلسطينيّاً مقرّباً من محمود عبّاس، رفض كشف هويّته، أبلغ "المونيتور" أنّ ما "نشرته وثائق بنما هو جزء من حملة ضدّ الرئيس وعائلته ومنسجمة مع مزاعم إسرائيليّة بقصد تشويه الرئيس عباس، وترويج اتّهامات بالفساد ضدّ عائلته غير مستندة إلى مستندات قانونيّة، وقد لا يكون الرئيس مضطراً للردّ على خبر ينشر هنا أو هناك".

وكان الموقع الإخباري الإسرائيلي "إن آر جي" نشر في 12 مارس 2016 تقريرا مطولا حول ما اعتبره ثراء غير مشروع لعائلة الرئيس عباس، وكررت صحيفة هآرتس الإسرائيلية يوم 10 أبريل الحالي اتهامات للمسئولين الفلسطينيين المقربين من عباس باستغلال مناصبهم الحكومية لمصالحهم الشخصية.

وأعلن طارق العقاد، وهو رئيس مجلس إدارة شركة "أيبك"، الّتي ورد اسمها في وثائق "بنما"، في 8 نيسان/أبريل، أنّ الشركة تخضع إلى الأجهزة الرقابيّة الفلسطينيّة، وتنشر تقارير أعمالها ونتائجها الماليّة، ودفعت ما يزيد عن مليار دولار إلى وزارة الماليّة الفلسطينيّة بين جمارك وضرائب ورسوم، ولا توجد لدى موظّفيها مصالح احتكارية، علماً بأنّ طارق عبّاس، نجل الرئيس، أحد مديريها التنفيذيّين، ويتقاضى راتباً ومزايا كبقيّة الموظّفين منذ عام 1999 من موازنة الشركة.

ومن جهته، أشار الكاتب السياسيّ الفلسطينيّ ورئيس تحرير مجلّة "كنعان" الإلكترونيّة عادل سمارة لـ"المونيتور" إلى أنّ "وثائق بنما تؤكّد أنّ السلطة الفلسطينيّة هي منظّمة غير حكوميّة، والفساد أحد مكوّناتها، وتتقاضى الريع الماليّ لتثبيت إتّفاق أوسلو مع إسرائيل، وتمارس "بيزنيس" علنيّاً، وتنتج فساداً يكتسب الشرعيّة، والدول المانحة لا تمارس رقابتها على السلطة، ممّا يوصلنا إلى نتيجة مفادها أنّ كشف وثائق بنما لن يؤثّر على استمرار الدعم الدوليّ للسلطة الفلسطينيّة الفاسدة، بل سيتواصل، طالما أنّها تواصل إلتزامها بمشروعها السياسيّ مع إسرائيل".

وأخيراً، ربّما سلّطت وثائق "بنما" الضوء على شبهات بالفساد ثقيلة العيار في السلطة الفلسطينيّة، كتبييض الأموال والتهرّب الضريبيّ، لكنّ مظاهر فساد هذه السلطة ربّما تكون أكثر من أن تحصى، بين السرقة المباشرة للمال العام، وتلقّي رشاوى ماليّة مقابل تقديم خدمات حكوميّة، ومشاركة مسؤولين فلسطينيّين رفيعي المستوى في شركات تجاريّة خاصّة، ونقل ملكيّة بعض الأراضي الحكوميّة إلى أشخاص مسؤولين، والقيام بجولات شخصيّة خارجيّة حول العالم على حساب السلطة، وتعيين الأقارب في الوظائف الحكوميّة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

مقالات مميزة

إنهاء الانقسام ضرورة فلسطينيّة لمواجهة صفقة القرن
أحمد ملحم | المصالحة الفلسطينية | فبر 13, 2020
إيران تنشط بين الفلسطينيّين لمواجهة صفقة القرن
عدنان أبو عامر | القضية الفلسطينية | فبر 13, 2020
"فتح" و"حماس" تسعيان إلى مصالحة طال أمدها لمواجهة صفقة القرن
عدنان أبو عامر | المصالحة الفلسطينية | فبر 7, 2020
هل تدفع "صفقة القرن" بالفلسطينيّين إلى إنهاء الانقسام؟
أحمد أبو عامر | المصالحة الفلسطينية | فبر 3, 2020
بعد مصر والأردن... هل يتدفّق الغاز الإسرائيليّ إلى الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة؟
أحمد ملحم | النفط والغاز | ينا 31, 2020

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض فلسطين

al-monitor
نزع سلاح "حماس" على رأس أهداف صفقة القرن
عدنان أبو عامر | غزّة | فبر 14, 2020
al-monitor
عبّاس يطرح على مجلس الأمن مبادرة مضادّة لصفقة القرن
أحمد ملحم | دونالد ترامب | فبر 14, 2020
al-monitor
جدار مصريّ جديد على الحدود مع غزّة لمنع تسلّل المتشدّدين
رشا أبو جلال | سيناء | فبر 14, 2020
al-monitor
الفلسطينيّة ناديا حبش حوّلت العمارة إلى نضال وطنيّ
عزيزة نوفل | التراث الثقافي | فبر 13, 2020