نبض فلسطين

السرّ من الأردن... الصابون النابلسيّ يصارع للبقاء أمام المنتجات الحديثة

p
بقلم
بإختصار
في مدينة نابلس شمال الضفة الغربية لا تزال الصابون النابلسية تصنع بشكل يدوي تقليدي ومن مكونات طبيعية، كما كانت قبل 1000 عام، وسط مخاوف من إندثارها بسبب المنتجات العصرية المنافسة.

رام الله، الضفّة الغربيّة - ارتبط اسم مدينة نابلس، شمال الضفّة الغربيّة بصناعة الصابون النابلسيّ، حتّى أنّ بعض المؤرّخين يرجّحون أنّه من هذه المدينة، بدأت صناعتهوانتشرت في كلّ العالم، قبل أكثر من 1000 عام. وخلال هذه الفترة، طوّر النابلسيّون صناعة الصابون، واهتمّوا بها، وباتت من أهمّ معالم هذه المدينة، وفلسطين التي كانت تصدّره إلى كلّ العالم.

معاذ النابلسيّ (67 عاماً) هو أحد أبناء عائلة حسن النابلسي، الذين اهتمّوا منذ القدم بصناعة الصابون حيث كانت العائلة تملك أكثر من 20 مصبنة.

تعلّم معاذ صناعة الصابون منذ صغره، وقال إنّه كان يرافق والده إلى العمل في مصابن العائلة في البلدة القديمة خلال العطل المدرسيّة، ويرى طريقة إنتاج الصابون، حتّى كبر وأصبح يعمل في هذه المصابن ويديرها.

ويقول لـ"المونيتور" إنّ عائلته تعمل في صناعة الصابون منذ 240 عاماً، تحديداً في البلدة القديمة من مدينة نابلس شمال الضفّة الغربيّة، ولا تزال حتّى اليوم.

ويضيف معاذ النابلسي: "أجود أنواع الصابون هو الصابون النابلسيّ، هذا ما لا يخفى على أحد منذ مئات السنين، حتّى أنّ بعض المؤرّخين يذكرون أنّ صناعة الصابون بدأت في المدينة، حيث لم توثّق الكتب أيّ مدينة أخرى بدأت فيها هذه الصناعة".

وخلال الـ100 عام الأخيرة، وصل عدد المصابن في المدينة، والتي تركّزت في معظمها في البلدة القديمة منها، إلى 52 مصبنة، امتلكت عائلة حسن النابلسي منها أقلّ من النصف بقليل، كما يقول معاذ النابلسيّ.

لم يبق من هذه المصابن مع مرور الوقت، وفي الوقت الحاليّ غير سبعة تنتج الصابون النابلسيّ وتسوّقه " وتبيعه" . وقد وصلت شهرته إلى كلّ العالم قبل 1000 عام.

والمقصود بالمصبنة هنا المصنع الذي يتمّ فيه إعداد الصابون، وهو المكان الذي يصنع فيه الصابون، حيث يتمّ فيه طبخ الزيت وإضافة الموادّ الكيميائيّة وصبّها على أرضيّات خصّصت لتحمّل الحرارة العالية، ومن ثمّ قصّها ووضع العلامة التجاريّة عليها وتغليفها استعداداً إلى تسويقها.

والعلامة التجاريّة لعائلة النابلسيّ هي "البدر" والتي لا تزال مستخدمة حتى الأن، فيما اشتهرت في نابلس، وهي المدينة التي انطلقت منها صناعة الصابون إلى العالم، علامات تجاريّة أخرى عدّة من التي لا تزال مستخدمة حتى الأن ماركة "المفتاحين" و"النمر".

ولماذا في نابلس تحديداً؟ يجيب معاذ النابلسي على ذلك: "السرّ في صناعة الصابون النابلسيّ هو المياه، وبالتحديد وجود 70 ينبوعاً من المياه الطبيعيّة في البلدة القديمة، فكانت كلّ مصبنة بنيت فوق نبع مياه جاريّ، إلى جانب أنّ مكوّناتها طبيعيّة 100%".

والسرّ الثاني، بحسب معاذ النابلسي أنّها صناعة طبيعيّة ولا تدخل فيها أيّ مادّة كيميائيّة، ففي بداية صناعتها كانت تضاف إلى الزيت لتحويله إلى صابونة، مادّة يتمّ استخلاصها من جذور نبتة تسمّى نبتة "القلي"، كانت تجلب من منطقة البلقاء في الأردن، بواسطة أبناء العائلات المتواجدة نتيجة العلاقات المتنامية بين نابلس والبلقاء.

والمصابن عبارة عن مبانٍ خاصّة تعود في معظمها إلى أكثر من 800 عام، وهذه المباني مؤلّفة من ثلاث طبقات تعتمد على عامود واحد وأقواص متتالية من الأرض، تنزل إلى الأرض وهي حاملة المصبنة كلّها، كما يقول أيمن أبو سير الذي يعمل في مصبنة طوقان الواقعة وسط المدينة.

ويتابع أبو سير لـ"المونيتور" أنّه لا يدخل في صناعة الصابون استخدام أيّ آلة، وتمتاز أنّها من مراحلها الأولى وحتّى نهايتها صناعة يدويّة تعتمد في الأساس على خبرة العمّال ومهارتهم.

ويقول إنّ الاعتماد الأوّل في صناعة الصابون هو على زيت الزيتون، حيث اشتهرت المدينة بزراعة الزيتون وإنتاجه، وكان هناك فائض منه، ممّا دفع أهالي المدينة إلى استغلاله في صناعه الصابون.

وبحسب أبو سير، فإنّ صناعة الصابون تراجعت كثيراً في المدينة أمام كثرة أنواع الصابون والمنتجات الحديثة من شامبوهات وموادّ تنظيف.

كما تأثّرت صناعة الصابون بالأوضاع الأمنيّة للمدينة، التي عانت من الحصار والاجتياحات التي شنّتها إسرائيل خلال الانتفاضة الثانية، حيث تمّ تدمير جزء من هذه المصابن جزئيّاً وأخرى في شكل كلّي، كما مصبنة آل كنعان.

يقول القائم على مصابن العائلة حاليّاً سعيد كنعان إنّ المصبنة الرئيسيّة والتي تقع في حارة الغرب، في البلدة القديمة للمدينة تعرّضت إلى الهدم الكامل في عام 2002، حيث تمّ تفجير عدد من المنازل المحيطة ومن بينها المصبنة، التي هدمت بكل ما تحتويه من معدّات وزيت وصابون كان معدّاً للبيع والتسويق.

وقال كنعان لـ"المونيتور" إنّه لم تتمّ إعادة بناء المصبنة، وذلك بسبب طبيعة البناء الخاصّ بالمصابن والذي يصعب محاكاته، إلى جانب التكلفة العالية التي يتطلّبها، وهو ما يصعب على العائلة القيام به.

يذكر كنعان أنّ عائلته تملك ثلاث مصابن، إحداها في المنطقة الشرقيّة من المدينة ولا تزال تعمل حتّى الآن ولكن بحدود ضيّقة، لصغر مساحتها وإشكاليّات التسويق التي تواجهها هذه الصناعة.

ويستذكر كنعان أنّ عائلته كانت تنتج كميّات كبيرة من الصابون وتسوّقها إلى دول الخليج وسوريا ومصر ولبنان، في حين يقتصر التصدير حاليّاً على الأردن، إلى جانب البيع المحلّي.

وأضاف كنعان أنّ هذه الصناعة في حاجة إلى دعم من المستوى الرسميّ واهتمام منه، وإلى تطويرها والحفاظ عليها من الاندثار، كإحدى أهمّ الصناعات الفلسطينيّة. وهو ما قامت به عائلة النابلسي، من خلال تطوير صناعتها لتشمل صناعة الشامبوهات والصابون السائل بمكوّنات الصابون النابلسي التقليديّ نفسه، كما يقول معاذ النابلسي.

ويتابع: "هذا ما ساعدنا على الاستمرار، حيث تمّ تجديد التغليف وشكل الصابونة، وفتح خطّ إنتاج للصابون السائل، حيث ساعد كلّ ذلك على تسويق الصابون على مستوى أكبر".

وعلى الرغم من اقتصار صناعة الصابون النابلسيّ هذه الأيّام على عدد بسيط من المصابن، إلّا أنّ شهرته التي امتدّت على مدى أكثر من 1000 عام لم تتغيّر، وإن كنت من أبناء المدينة يكفي أن تنطق باسمها في أيّ دولة عربيّة، ولربّما أجنبيّة، ليطالبك السائل بـ"صابونة نابلسيّة"، وهي التي ينصح بها أطبّاء الجلد والبشرة لما تحتويه من عناصر طبيعيّة ومن دون كيميائيّات.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : water, tradition, olive oil, nablus, israel aggressions, industry, business
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept