نبض العراق

ميليشيات للمسيحيّين... يخترقها ميزان قوى وصراع محموم على المناطق المتنازع عليها!

p
بقلم
بإختصار
شكّل المسيحيون مليشياتهم المسلحة لتحرير أراضيهم بعد استيلاء "داعش" عليها . وبهذه الخطوة انتهت التقاليد الهادئة التي كان يتبعها المسيحيون في الابتعادعن الصراعات ذات الطابع الأثني أو الصدام المسلح. الواقع أن هناك عدة خيارات أمامهم ، وجميعها تكتنفها المصاعب، وهذا يفسر الصراع الداخلي العميق القائم بين التيارات السياسية المسيحية والزعماء الدينيين المسيحيين .

بغداد - بعد اجتياح مناطق الأقليّات في سهل نينوى والمتضمنة للمسيحين والايزيديين وغيرهم من الاقليات من قبل مقاتلي تنظيم "داعش" في 10 يونيو/حزيران من عام 2014، وعلى ضوء تراجع ثقة هذه الأقليّات بالحكومة الاتّحادية وحكومة الإقليم، شكّل بعضها ومنهم المسيحيين وحدات مسلّحة لتحرير أراضيهم. وكانت هذه الخطوة غير متوقّعة من جماعة مسالمة تماماً، لكنّها تعدّ جزءاً من مناخ سائد، فالجميع مسلّحون.

بيد أنّ الانقساميّة السياسيّة العراقيّة، بالتّضافر مع طبيعة توازن القوى بين الاطراف المتصارعة في السلطة، فرضت شروطها عليهم، إذ منذ ابتداء هذا العام قام عدد من المسيحيّون المهجرين من سهل نينوى الى المناطق الكوردية بتشكيل ميليشيات مسلّحة تتبع وزارة البيشمركة الكرديّة، في حين وضعت تنظيمات مسيحيّة أخرى من مناطق مختلفة من العراق نفسها تحت إدارة "الحشد الشعبيّ". وبهذا التطوّر، انتهت التّقاليد الهادئة الّتي كان يتبعها المسيحيّون في الابتعاد عن الصراعات ذات الطابع الإثنيّ أو الصدام المسلّح. وأيّاً كان الأمر، بات على المسيحيّين التّفكير بخيارات مستقلّة من دون استبعاد التّعاون مع الحكومة الاتّحادية وحكومة الإقليم بالطبع، لكنّهم يدركون جيّداً أنّ للآخرين عرباً كانوا أم أكراداً أهدافاً في أراضيهم لا تتطابق في النهاية مع أهدافهم. وعبّر عن ذلك لـ"المونيتور" سكرتير تحرير مجلّة "الفكر المسيحيّ" ظافر نوح وهو من مسيحيي العراق إذ قال: "مناطقنا في سهل نينوى تعدّ جزءاً من الأراضي المتنازع عليها بين المركز والإقليم، فالأكراد ينظرون إليها بوصفها مناطق كرديّة لا بدّ أن تكون ضمن خريطة الإقليم، بينما تنظر إليها الحكومة الاتّحادية على أنّها مناطق تابعة إداريّاً لها حتّى لو خضعت عمليّاً إلى نفوذ كرديّ".

ويبدو أنّ مشاركة المسيحيّين في تشكيل قوّة عسكريّة، تعكس رغبتهم في تحقيق وضع خاصّ وسط صراع الجماعات الكبرى، الأكراد والعرب، على تقسيم العراق؛ وذلك من خلال مشاركتهم في الصراع الجاري. وعن هذا الشأن، قال عضو البرلمان العراقيّ الآشوريّ يعقوب كوركيس في مايو هذا العام: "إذا كانوا يريدون تقسيم هذا البلد إلى دول سنيّة وشيعيّة وكرديّة، سندعو إلى دولة رابعة، هي الدولة المسيحيّة".

قد يفتح تشكيل هذه القوّات احتمالات عودة المئات من المسيحيّين الآشوريين من خارج العراق للقتال مع إخوانهم في الدين، إذا ما أعطيت الفرصة لهم لتحرير أراضي سهل نينوى، وقد تجذب مسيحيي الشتات على التمسّك بالفكرة الّتي تدعو إليها منظّمات مسيحيّة عدّة خارج العراق لإنشاء منطقة خاصّة بالمسيحيين في سهل نينوى.

ومن هنا، ترتسم خيارات عدّة أمام المسيحيّين:

- تكوين تشكيلات مسلّحة تحت سيطرة البيشمركة لتحرير مناطقهم والتّعامل مع خيار دخول مناطقهم تحت سيطرة الإقليم.

- تكوين تشكيلات مسلّحة تحت سيطرة الحكومة الاتّحادية لتحقيق الغرض نفسه والتّعامل مع خيار إنشاء محافظة لهم في منطقة سهل نينوى.

- تكوين تشكيلات مسلّحة مع الدفع باستقلال مناطقهم تحت إدارة دوليّة أو ضمانات من قبل المجتمع الدوليّ في حماية وضعهم المستقلّ.

وفي واقع الحال، إنّ كلّ هذه الخيارات تكتنفها المصاعب، وهذا يفسّر الصراع الداخليّ العميق القائم بين التيّارات السياسيّة المسيحيّة وزعماء الدين المسيحيّين.

وفي هذا السّياق، قال رئيس كنيسة الكلدان في العراق والعالم البطريرك لويس ساكو لـ"المونيتور": ""للمسيحيّين العراقيّين الحقّ المطلق في الدفاع عن النّفس، لكنّ الحماية يجب أن تأتي من الدولة، فهي المسؤولة عن حماية جميع المواطنين والدفاع عنهم. أمّا إنشاء ميليشيات على أساس عرقيّ ودينيّ فسيدمّر البلاد".

وتأخذ خشية الزعيم الدينيّ المسيحيّ البارز تبريرها من أنّ غياب الدولة وتشكيل المليشيات قد يعمّقان الروح الطائفيّة، ويسهمان في تصعيد النزاع ليصبح ورقة في يدّ الجماعات الإسلاميّة الجهاديّة الّتي تريد إحياء الحروب الصليبيّة.

وتأتي تصريحات البطريرك، ردّاً على تحرّكات كلّ من الإقليم لدعم تسليح المتطوّعين المسيحيّين في التّشكيلات القتاليّة الخاصّة تحت سيطرة وزارة البيشمركة، وتشكيل قوّات مسيحيّة تحت إدارة قوّات "الحشد الشعبيّ".

هذا وأبدت وزارة البيشمركة دعم تشكيل قوّات سهل نينوى، بعد إعلان "اتحاد بيث نهرين الوطنيّ" و"حزب بيث نهرين الديموقراطيّ" في 6 يناير/كانون الثاني من عام 2015 عن تشكيل قوّات مسيحيّة، بالتّنسيق مع الجهات الرسميّة ذات العلاقة في حكومة الإقليم.

وإزاء ذلك، أكّدت الحركة المسيحيّة في العراق "كتائب بابليون" في 2015/07/03 وجود العشرات من المتطوّعين المسيحيّين، الّذين يتدرّبون تحت إشراف "الحشد الشعبيّ" من أجل استرجاع أراضيهم في سهل نينوى وغيرها من سيطرة "داعش"، فيما لفتت الحركة إلى أنّ الهدف الأساسيّ من تشكيلها هو تحرير مدينتهم الموصل.

وتعدّ "كتائب بابليون" إحدى تشكيلات "الحشد الشعبيّ" الآن، وتمثّل الجناح العسكريّ للحركة المسيحيّة في العراق ويبلغ عددها 500 مقاتل. وفي هذا الإطار، قال الأمين العام للكتائب ريان الكلداني في يوليو هذا العام: "إنّ الهدف الرئيسيّ من تشكيل قوّاتنا هو تحرير الموصل، لكنّنا شاركنا في عمليّات تحرير مدينة تكريت وفي عمليّات أخرى من بينها بيجي، في محافظة صلاح الدين".

ووفقاً لما تقدّم، يمكن تخيّل الصعوبات الّتي ستواجه توحيد هذه القوّات وجعلها تعمل تحت راية واحدة في فترة ما بعد "داعش"، مستقلّة عن التّوظيف السياسيّ للتيّارات السياسيّة للجماعات الكبرى للأكراد والعرب. وإنّ عدم وجود قيادة موحّدة لهذه القوّات والافتقار إلى نص إتّفاق في شأن أهدافها وطبيعتها وعملها بعد تحرير أراضي سهل نينوى من "داعش"، سيفتح في المستقبل باباً لصراعات مسيحيّة داخليّة من جهة، وصراعات بين المسيحيّين والتّشكيلات القتاليّة المسلّحة لبقيّة المكوّنات من جهة ثانية، لبسط النفوذ في المناطق المتنازع عليها.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : nineveh, minorities, militias, krg, islamic state, christians, christian minorities, christian diaspora

أكاديمي وخبير في شؤون التنوع الديني في العراق وهو استاذ مساعد في كلية العلوم السياسية الجامعة المستنصرية في بغداد ومن مؤسسي المجلس العراقي لحوار الأديان وقد حاز على جائزة ستيفانوس للحريات الدينية لعام 2018 ومن ابرز مؤلفاته اقليات العراق ما بعد داعش 2017 الايزيديون في العراق 2016 الوحدة في التنوع 2015 المسيحيون في العراق 2014 والاقليات في العراق 2013.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept