نبض تركية

الأكراد يتطلعون إلى فتح ممر جديد نحو المتوسط

p
بقلم
بإختصار
يبدو أن الحلم بفتح ممر كردي من جزيرة إلى عفرين قابل للتحقيق، لكن كل شيء يتوقّف على العلاقات الصعبة التي يعمل الأكراد على الحفاظ عليها في التركيبة الإثنية والأيديولوجية المعقّدة في المنطقة.

عندما طردت "وحدات حماية الشعب" الكردية تنظيم "الدولة الإسلامية" من تل أبيض، أظهر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وسواه من قياديي "حزب العدالة والتنمية" ووسائل الإعلام الموالية للحكومة، رد فعل هستيرياً. من السيناريوهات المحمومة التي يتخيّلونها: "يجري التحضير لإنشاء دولة كردية في شمال سوريا بمساعدة أميركية"، "سيمارس الأكراد تطهيراً إثنياً بحق العرب والتركمان"، "سيتم فتح ممر لنقل النفط من شمال العراق إلى المتوسط". وذهب أحد السيناريوهات عن "حزب الاتحاد الديمقراطي" أبعد من ذلك: "حزب الاتحاد الديمقراطي أخطر من داعش".

نحن منهمكون جداً بتشويه سمعة العمليات الدفاعية التي تشنّها الحركة الكردية في روج آفا إلى درجة أنه ليس لدينا متّسع من الوقت حتى لمناقشة ما يفعله في الواقع "حزب الاتحاد الديقراطي" و"وحدات حماية الشعب". لا أهمية للسيناريوهات الجامحة التي تتحدث عن إنشاء دولة كردية أو فتح ممر نحو المتوسط، ثمة سؤالان أساسيان يجب التوقف عندهما:

- بعد السيطرة على تل أبيض والربط بين كوباني وجزيرة، هل ستعبر "وحدات حماية الشعب" الآن إلى الضفة الغربية لنهر الفرات لطرد تنظيم "الدولة الإسلامية" من جرابلس؟

- إذا طرد الأكراد "داعش" من جرابلس، هل سيتحرّكون غرباً لفتح ممر من العزيز إلى عفرين؟

باتت "وحدات حماية الشعب" التي دخلت تل أبيض بدعم من سلاح الجو الأميركي والمقاتلين العرب على غرار قوات "بركان الفرات"، تسيطر الآن على 180 كيلومتراً (110 أميال) من الأراضي المتجاورة من رأس العين إلى جرابلس. إذاً تسيطر "وحدات حماية الشعب" الآن على 400 كلم (250 ميلاً) من حدود جنوب كردستان إلى الفرات في جرابلس. وهدفها المحتمل التالي، أي الخط الممتد من عفرين إلى جرابلس، يمتد على طول 110 كلم (68 ميلاً).

تضم المنطقة الواقعة بين عفرين وجزيرة العديد من المجموعات الإثنية المختلفة. يعيش في جزيرة أكرادٌ وعرب وسريان وكلدان وأرمن وشيشان. ويشكّل العرب ثلاثين في المئة من السكان. تتألف مدينتا كوباني وعفرين من أكثرية كردية. وفي تل أبيض، يشكّل الأكراد 40 إلى 45 في المئة من السكان. أما في جرابلس، فغالبية السكان هي من العرب والتركمان.

لا شك في أن عدداً كبيراً من الأكراد يحلم بقيام دولة موحّدة وكاملة المواصفات في غرب كردستان من جزيرة إلى عفرين. بيد أن الوقائع الجغرافية والديمغرافية لا تتيح لهم إنشاء دولتهم الخاصة في روج آفا. في الواقع، الفاعلون الأكراد واقعيون، ويتبعون بحكمة خريطة طريق تأخذ في الاعتبار التنوّع الجغرافي والإثني والديني في المنطقة. يدين الأكراد بمكاسبهم الأخيرة في المنطقة إلى تعاونهم مع العناصر الإثنية الأخرى. إذ انحرفوا عن هذا المسار، فإن تحالفهم، لا سيما مع العرب، قد ينهار بسهولة.

كان الدافع الأساسي للأكراد القضاء على التهديد من تنظيم "داعش" وحماية عفرين تماماً كما فعلوا في كوباني. انتقلت السيطرة على عفرين من النظام السوري إلى الحركة الكردية بقيادة "حزب الاتحاد الديمقراطي" في 11 تموز/يوليو 2012. وفي السابع من حزيران/يونيو 2013، انتزع الأكراد السيطرة من قوات المعارضة على القرى الكردية الواقعة حول عفرين، وفتحوا ممراً نحو تل رفعت في الشرق. وقد تضاعف عدد سكان عفرين البالغ نحو سبعمئة ألف نسمة، مع هروب الأكراد من الصدامات حول مدينة حلب. فبات تعزيز الدفاعات الكردية يطرح إشكالية، لأن عناصر "داعش" انتشروا على جانبَي كوباني. والآن تتعرّض عفرين التي يحيط بها العرب والتركمان، للحصار من "الجبهة الإسلامية" و"جبهة النصرة".

بحسب إدريس نعسان، نائب وزير العلاقات الخارجية في كوباني، يجب توافر أربعة شروط كي تتمكّن "وحدات حماية الشعب" من العبور إلى الضفة الغربية لنهر الفرات: التعاون مع قوات المعارضة في المنطقة، وتلقّيها طلباً من العشائر المحلية بالتدخل، ووجود خطر حقيقي يتهدّد عفرين، واستمرار الدعم من التحالف الدولي.

رداً على سؤال "المونيتور" إذا كانت "وحدات حماية الشعب" ستعبر الفرات، أجاب الصحافي فهيم إسيك: "لم تكن لدى الأكراد قط خطط للتقدّم ميدانياً بهدف احتلال الأراضي. لقد تبنّوا منذ البداية سياسة فرض الأمن في منطقتهم وبناء هيكلية ديمقراطية وحرّة مع الشعوب الأخرى التي تتقاسم معهم منطقتهم. شكّلت سيطرة داعش على تل أبيض تهديداً خطيراً للأكراد والأمن الإقليمي. لهذا سعوا إلى استعادة السيطرة عليها. يمكننا أن نتوقّع بأن وحدات حماية الشعب ستتحوّل الآن نحو جرابلس لطرد داعش من هناك. لا علاقة لذلك ببناء خط أنابيب نفطي، بل يتعلق بإرساء حياة حرّة وديمقراطية".

وعلّق فيسل أيهان، رئيس مركز أبحاث السلام في الشرق الأوسط، قائلاً: "من المحتوم أن تحاول الحركة الكردية بالاشتراك مع العرب في المنطقة، تحرير الضفة الأخرى لنهر الفرات. إذا لم يتحقّق ذلك، لن يشعر سكّان الضفة الشرقية لنهر الفرات بأنهم بأمان. لقد سبق أن أعلنت وحدات حماية الشعب أن تحرير الرقة من داعش سيكون جزءاً من مخططاتها. لهذا ليست الحركة الكردية مجرد عنصر دفاعي، بل إنها فاعل أساسي من أجل حصول الشعب السوري على الحرية. لهذا يرتدي فتح ممر آمر نحو عفرين أهمية حيوية لتلبية الاحتياجات الأساسية لشعوب المنطقة وضمان أمنها".

شراكة صعبة مع الإسلاميين

على الرغم من أنه من الممكن إنشاء شراكة مع قوات المعارضة في مواجهة تنظيم "الدولة الإسلامية"، لن يكون من السهل فتح ممر كردي نحو عفرين. فمن جرابلس إلى عفرين، السيطرة هي أولاً لتنظيم "داعش" ومن ثم لتنظيم "الجبهة الإسلامية". يسيطر "داعش" على باب ومنبج والراي وجرابلس من الرقة باتجاه تركيا في الشمال، في حين تسيطر فصائل "الجبهة الإسلامية" على العزيز وتل رفعت ومارع نحو الغرب بين حلب وتركيا. وهناك أيضاً "جبهة النصرة" التي تعتمد على تركيا وقد حاولت سابقاً دخول عفرين من الجنوب، لكنها لم تفلح.

ثمة عوائق أيديولوجية تحول دون تمكُّن "وحدات حماية الشعب" من إنشاء تحالف مع "الجبهة الإسلامية"، كما فعلت مع قوات "بركان الفرات" في كوباني وتل أبيض. ففصائل "الجبهة الإسلامية" ترفض التعاون مع "حزب الاتحاد الديمرقراطي" و"وحدات حماية الشعب" بسبب عقيدتهما اليسارية والنظرة إليهما بأنهما ميليشيات كردية تابعة للنظام السوري. ومن جهتها، تعتبر المنظمات التركمانية المنسجمة مع السياسة التركية أن "وحدات حماية الشعب" هي امتداد إرهابي لـ"حزب العمال الكردستاني".

إلا أن "الجبهة الإسلامية" قد تُضطر إلى التعاون مع "وحدات حماية الشعب" في حال سدّد إليها تنظيم "الدولة الإسلامية" ضربات قاضية. في الأسابيع الأخيرة، هاجم تنظيم "داعش" أولاً موقعاً تابعاً للجبهة للاستيلاء على سوران قبل التحول نحو مارع. يأمل "داعش" بالتعويض عن خسارة تل أبيض عبر السيطرة على معبر باب السلامة الحدودي. لكن المعبر حيوي بالنسبة إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة في محافظة حلب. ولذلك هناك تعبئة كاملة في صفوف "الجبهة الإسلامية" وحلفائها لمواجهة مخططات "داعش".

على الرغم من أن "الجبهة الإسلامية" قد تتعاون مع "وحدات حماية الشعب" ضد "داعش"، إلا أن آخر ما تريده الجبهة هو تقاسم المنطقة مع الأكراد. قد يؤمّن تعاون الضرورة للأكراد ممراً آمناً للوصول إلى عفرين، لكن ذلك لن يؤدّي إلى نشوء حزام كردي أو منطقة من السيطرة الكردية.

العشائر تدعم التنظيمات الإسلامية

مواقف العشائر مهمة بقدر مواقف التنظيمات الأخرى. صحيح أن الجبهة الكردية التي تتحرك في العزيز تُعتبَر حليفةً لـ"وحدات حماية الشعب"، إلا أنه لديها تحفظات قوية بشأنها. تتألف جرابلس في غالبيتها الساحقة من عرب وتركمان، مع أقلية صغيرة جداً من الأكراد. كانت عشائر جرابلس منقسمة بين "جبهة النصرة" و"الجيش السوري الحر" و"داعش". عندما استولى "داعش" على البلدة في كانون الثاني/يناير 2014، هرب ثمانون في المئة من سكانها إلى تركيا. تقريباً جميع سكان باب ومنبج اللتين تسيطر عليهما "الدولة الإسلامية" هم من العرب. تسهّل هاتان البلدتان الشديدتا المحافظية عمليات التنظيمات الإسلامية من دون تقديم فرص كثيرة للقوى العلمانية على غرار "وحدات حماية الشعب". كما أن العشائر التركمانية الموزَّعة بين 150 قرية تقريباً في العزيز وباب ومنبج وجرابلس والجبال تُبقي على مسافة بينها وبين "وحدات حماية الشعب"، حتى أكثر مما يفعل العرب.

قالت مصادر كردية سورية في حديث مع "المونيتور" إنه لم يحن الوقت بعد للتعاون مع فصائل "الجبهة الإسلامية" من أجل العبور إلى الضفة الغربية لنهر الفرات.

قد تُضطر "وحدات حماية الشعب" إلى عبور نهر الفرات في حال تعرّضت عفرين للهجوم. لكن كي يسيطر "داعش" على عفرين، عليه أن يطرد أولاً "الجبهة الإسلامية" من مارع وتل رفعت. ليست عفرين مهدّدة من "داعش" فقط، فمن حين لآخر، تفرض تنظيمات إسلامية أخرى حصاراً على البلدة عند مواجهة مشكلات مع "وحدات حماية الشعب".

"وحدات حماية الشعب" بحاجة ماسّة إلى استمرار الدعم الجوي الأميركي كي تتمكّن من التحرك للسيطرة على جرابلس. لقد بلغت الشراكة مع الولايات المتحدة التي بدأت في كوباني، مستويات جديدة في تل أبيض. قال مسؤول أميركي في مقابلة مع تولغا تانيس من صحيفة "حرييت"، إن الولايات المتحدة لا تكتفي فقط بتأمين الدعم الجوي الوثيق لـ"وحدات حماية الشعب"، بل تقدّم المساعدة أيضاً من خلال قيام متعاقد مدني بتفكيك القنابل الموقوتة والألغام.

مستوى التعاون هذا الذي حقّقته الولايات المتحدة مع الأكراد لم تتمكّن من منحه لقوى المعارضة الأخرى. على ضوء الاعتراضات التركية الشديدة، ليس واضحاً بعد إذا كانت الولايات المتحدة تنوي توسيع عملياتها في المنطقة.

كذلك يتوقّف تقدم "وحدات حماية الشعب" نحو عفرين على مصير العرب والتركمان في تل أبيض. إذا لم يكن بالإمكان تأمين هيكلية مدنية وأمنية تُرضي العرب والتركمان في تل أبيض، قد تكون المخططات الهادفة إلى السيطرة على جرابلس والتقدم أبعد منها، في خطر.

لا يريد الأكراد وقوع مواجهة كردية-عربية أو كردية-تركمانية في طريقهم إلى عفرين. وليست هناك مؤشرات بأن الأكراد يرغبون في السيطرة على المنطقة رغماً عن إرادة العرب والتركمان. لكن من شأن وقوع تطهير إثني مثلاً أن يولّد مواجهة كردية-عربية، الأمر الذي قد يدفع بالعشائر العربية في جزيرة إلى التعاون مع النظام أو المجموعات المسلّحة الأخرى. لهذا لا يُتوقَّع أن يتّخذ الأكراد أية خطوات من شأنها أن تهدّد كل المكاسب التي حقّقوها مع الشعوب الأخرى في المنطقة منذ العام 2012.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : ypg, syrian kurds, syrian civil war, rojava, pyd, kobani, islamic state
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept