نبض فلسطين

التعليم الجامعيّ... "الحلم الواعد" للصمّ في غزّة يتحقّق

p
بقلم
بإختصار
غزّة، قطاع غزّة - على إحدى طاولات الكافيتيريا المخصّصة للطالبات في الجامعة الإسلاميّة في غزّة، جلست مجموعة من الطالبات الصمّ، ليناقشن بلغة الإشارة رسومهنّ الهندسيّة التي رسمنها بعد انتهاء إحدى محاضرات دبلوم تكنولوجيا الإبداع المخصّص للصمّ. إنّهنّ لا يختلفن بشيء عن الطالبات الأخريات في المكان سوى أنّ أيديهنّ تتشابك وتتسارع لتعبّر كلّ واحدة عن وجهة نظرها. إنّهن ضمن الدفعة الأولى الواعدة...

غزّة، قطاع غزّة - على إحدى طاولات الكافيتيريا المخصّصة للطالبات في الجامعة الإسلاميّة في غزّة، جلست مجموعة من الطالبات الصمّ، ليناقشن بلغة الإشارة رسومهنّ الهندسيّة التي رسمنها بعد انتهاء إحدى محاضرات دبلوم تكنولوجيا الإبداع المخصّص للصمّ. إنّهنّ لا يختلفن بشيء عن الطالبات الأخريات في المكان سوى أنّ أيديهنّ تتشابك وتتسارع لتعبّر كلّ واحدة عن وجهة نظرها. إنّهن ضمن الدفعة الأولى الواعدة من الصمّ التي تكمّل تعليمها الجامعيّ في القطاع المحاصر.

وحين حاولت، كمراسلة لـ"المونيتور"، التواصل معهنّ، كانت إسراء السرساوي (26 عاماً) الوحيدة بينهنّ التي استطاعت تحدّي الصمّ، والحديث ببضع كلمات لترحّب بي. عرفت عندها للمرّة الأولى أنّ الإعاقة السمعيّة درجات. جلست معهنّ، واستمرّت المحادثة بلغة الإشارة، وكلمات بالكاد تفهم من طرفها، وبضع إشارات إشارات إيحائية بيديّ وكلمات على ورقة استطاعت إسراء فهمها. لم يدم التفاهم كثيراً، فأسعفتنا إحدى المدرّسات التي حضرت لتقوم بترجمة حديث إسراء وزميلاتها بلغة الإشارة.

تتحدّث إسراء بلغة الإشارة التي تترجمها مدرّستها لـ"المونيتور": "قام والدي بتسجيلي في الجامعة لدراسة درجة الدبلوم في تخصّص تكنولوجيا الإبداع. في البداية، كنت خائفة، ولا أعرف شيئاً عن الحياة الجامعيّة، ثم سرعان ما زال القلق والتوتّر، فأنا الآن سعيدة كوني أصبحت طالبة جامعيّة".

ويقول منسّق برامج الصمّ في مركز التقنيّات المساعدة لذوي الإعاقة، في الجامعة الإسلاميّة في غزّة حسن العمرين، في مقابلة مع "المونيتور": "بعد تخطيط دام مدّة عام، افتتحت عمادة التعليم المستمرّ دبلوماً خاصّاً لذوي الإعاقة السمعيّة للمرّة الأولى على مستوى فلسطين، وقد التحق بالدبلوم 120 طالباً وطالبة بعد إنهائهم مرحلة الثانويّة العامّة العام الماضي، وبدأ التسجيل للدبلوم في ديسمبر 2014، وبدأ العام الدراسي فعلياً في مارس2015، بعد إجراء المقابلات، وتهيئة المعلمين للبدء".

وأضاف: "التحقت معظم الطالبات ضمن أربع شعب في تخصص الحاسوب بدبلوم تكنولوجيا الإبداع، في حين كان ميول الشباب في شعبة الذكور الوحيدة إلى التخصّص الثاني في الدبلوم، وهو صيانة الحاسوب والأجهزة التكنولوجيّة الذكيّة".

ومنذ إنهائها الصفّ التاسع، لم تكن هناك مدارس خاصّة أو حكوميّة تقبل استقبال إسراء لإكمال تعليمها كما بقيّة الصمّ في القطاع، فلم تتمكّن من إنهاء الثانويّة العامّة، وبالتالي عجزت عن الالتحاق بالجامعة. وخلال سنوات الانتظار، عملت إسراء في محلّ لتصفيف الشعر، لأنّها لم ترغب بالبقاء في المنزل من دون عمل أو دراسة، إلى أن استقبلتها، إلى جانب غيرها من الصمّ مدرسة مصطفى الرافعي، وهي مدرسة الثانويّة الأولى للصمّ في القطاع، والتي افتتحت في عام 2011.

وتبلغ نسبة الصمّ 1.2 % من إجمالي السكّان في قطاع غزّة (حسب التعريف الموسّع: يشمل من لديه بعض الصعوبة، صعوبة كبيرة، أو لا يستطيع كلياً السماع)، وفقاً لمسح الإعاقة الذي أجراه الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ في عام 2011. وفي شكل عام، تبلغ نسبة المعاقين 7% من إجمالي السكّان.

وحسب الإحصاء، فإنّ حوالى90% من إجمالي المعاقين في قطاع غزّة لا يعملون، أمّا بالنسبة إلى التعليم، فأظهر الإحصاء أنّ 42.2% من إجمالي المعاقين في قطاع غزّة لم يلتحقوا بالتعليم بتاتاً.

ولفت نائب مدير عام الإرشاد والتربية الخاصّة في وزارة التعليم في غزّة خالد أبو فضّة لـ "المونيتور: "قبل افتتاح مدرسة مصطفى الرافعي كمدرسة الثانويّة الأولى للصمّ على مستوى فلسطين، لم يكن بمقدور الصمّ الالتحاق بالثانويّة العامّة، واقتصرت دراستهم حتّى الصفّ التاسع، في بعض المراكز الخاصّة التابعة لجمعيّات تأهيل الصمّ وتعليمهم. وبعدها، كانوا يلتحقون بالتعليم المهنيّ أو يصبحون عاطلين عن العمل".

وأضاف: "في عام 2010، أسّست وزارة التربية والتعليم المدرسة، وقامت بتوفير معلّمين أكفّاء في لغة الإشارة لتعليم الطلبة الصمّ لإنهاء الصفّ العاشر، والحادي عشر، ثمّ التوجيهيّ للمرّة الأولى في عام 2014، وذلك بعد عمليّة مواءمة المنهاج المعمول به في المدارس الحكوميّة، والمخصّصة في طبيعة الحال للطلبة العاديّين، كي يسهّل الدراسة بالنسبة إلى الطلبة الصمّ".

وأشارت مدرّسة الحاسوب في دبلوم تكنولوجيا الإبداع سهير الحجار: "هناك حماس كبير من قبل الطلّاب الصمّ جميعاً للتعلّم في الجامعة، وخصوصاً مادّة الحاسوب، لأنّهم يشعرون أنّها مناسبة لهم أكثر، فهي أسهل من تعلّم اللغة العربيّة أو الإنجليزيّة بالنسبة إليهم".

وفي محاضرة اللغة الإنجليزيّة في الدبلوم، كانت القاعة مليئة بالطلبة، فتتهافت الطالبات لتجبن عن أسئلة المدرّسة عن أيقونات الحاسوب الشهيرة، من ضمنها المتعلّقة بوسائل التواصل الاجتماعيّ، يرفعن أيديهنّ وبعضهن يصدرن صوتاً خفيفاً، وأخرى تضرب على الطاولة لتشير للمدرّسة بأنّها تريد المشاركة.

وتبيّن مدرّسة اللغة الإنجليزيّة في الدبلوم صبا عودة لـ"المونيتور" أنّها "تقوم في شكل رئيسيّ بشرح المحاضرة بلغة الإشارة العربيّة الموحّدة بين عدد من الأقطار العربيّة، لكنّها في الوقت نفسه، تلقّن الفتيات كلمات بلغة الإشارة الإنجليزيّة، ويحضرن فيديوهات للغة الإشارة الأميركيّة، لتساعدهنّ على التواصل، وتحضّرهنّ للتعامل مع سوق العمل في حال قرّرن العمل في مجالهنّ".

حلم إنهاء الدراسة الجامعيّة ليس الوحيد، وإنّما يسعى العديد من الطلبة الصمّ إلى الحصول على وظيفة بعد الجامعة، فتقول إسراء بلغة الإشارة: "أريد أن أصبح موظّفة رسميّة، مللت من كثرة الدورات التي تخصّصها لنا المؤسّسات الأهليّة، وأريد أن أحقّق ذاتي بشهادة بدرجة البكالوريوس بعد الانتهاء من الدبلوم وأعمل في مجال الحاسوب الذي أحبّه".

من جهّتها، تقول النائب في المجلس التشريعيّ عن حركة حماس هدى نعيم :"منذ فوزها في انتخابات 2006، عملت حركة حماس على تفعيل القانون الفلسطينيّ الذي يخصّص نسبة 5% من الوظائف العامّة للمعاقين".

وتؤكّد النائب نعيم رقابة المجلس التشريعيّ على تطبيق هذا القانون، لكنّها تبيّن أنّ "الظروف الاقتصاديّة الصعبة الناتجة عن الحصار، وعدم تولّي حكومة الوفاق مهامها، أدّى إلى انخفاض نسبة التوظيف في شكل عام، ممّا أثّر على المعاقين".

وعلى الرغم من الخطوة الكبيرة التي يخطوها الطلبة الصمّ في دراسة الدبلوم، إلّا أنّ عدداً آخر من الصمّ ما زالت الظروف الاقتصاديّة والمعيشيّة تمنعهم من توفير الرسوم الجامعيّة، كما أوضح منسّق برامج الصمّ في الجامعة الإسلاميّة، حسن أبو العمرين: "وعدتنا جهّات مانحة عربيّة ودوليّة، بدعم الدبلوم وتوفير الرسوم على الطلبة، لكنّ موضوع الإعمار والانقسام السياسيّ الداخليّ أعاق تحقيق تلك الوعود".

إضافة إلى ذلك، لم يصل الصمّ إلى مرحلة الاندماج الكامل في الجامعة التي تخصّص لهم قسماً خاصّاً بهم بعيداً عن الاختلاط ببقيّة الطلبة، كما أنّ أحلامهم الكثيرة بالاندماج في المجتمع عن طريق توفير فرص عمل، في حاجة إلى تدخّل حكوميّ، هو بعيد كلّ البعد عنهم في ظلّ الظروف السياسيّة الراهنة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : university, students, schools, palestine, hamas, gaza strip, employment, education

هناء صلاح صحافية فلسطينية مختصة بالشؤون المالية ومقيمة في غزة، وقد عملت سابقًا مع صحف فلسطينية ووكالة الأناضول للأنباء التركية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept