نبض تركية

كيف نهزم آلة حرب داعش

p
بقلم
بإختصار
لا بدّ من الإقرار بأنّ تنظيم الدولة الإسلامية آلة حرب فتّاكة وفعّالة على المستوى التكتيكي.

قرأنا شروحات كثيرة تفسّر النجاحات التكتيكية العسكرية لتنظيم الدولة الإسلامية، لكن لم يتم التوصّل بعد إلى تقييم شامل لكيفية تمكّن داعش منذ شهر حزيران/يونيو 2014 من السيطرة على قطاع أكبر من مساحة لبنان يضمّ 8 ملايين عراقي وسوري.

كيف يُعقل أنّ داعش سيطر في ثلاثة أشهر فقط على أراض واسعة، مع الاستيلاء من خلال 3,000 مقاتل على الموصل التي كان يدافع عنها 30,000 جندي عراقي، وأن يشارك بعد يومين من احتلال الموصل في 10 حزيران/يونيو في معارك مع القوات العراقية في بلدات في شمال بغداد على بعد 230 ميلاً من الموصل؟

يمكن أن نعزو مكاسب داعش جزئيًا إلى تأخّر ردّة فعل المجتمع الدولي، والافتقار إلى تصدّي عسكري قوي لداعش، والدّعم الدولي الذي حصل عليه داعش، والدّعم من الفصائل السنية والهيئات السياسية، إلا أنّ أيًا من هذه الأسباب لا يلغي واقع أنّ داعش آلة حرب فتّاكة وفعّالة جدًا على المستوى التكتيكي. ولفهم العامل الرئيسي المحدِّد لتلك المكاسب، لا بدّ من أن نفهم هذا الواقع. سيحاول هذا المقال تحليل العوامل المساهمة في كفاءة داعش العسكرية، بخاصّة على المستوى التكتيكي.

يمكن تلخيص العوامل التي تعزّز فعالية داعش التكتيكية بهيكل القيادة والتحكم المرن واللامركزي؛ والتكتيكات العسكرية الهجينة الجديدة التي تمزج بين الحرب التقليدية والتكتيكات الإرهابية؛ والاستعمال الفعّال لمنصّاتٍ مدرّعة في عمليات الهجوم؛ والانتشار؛ والحفاظ على الزّخم مهما كلّف الأمر؛ والاستغلال الفعّال للتّضاريس الطوبوغرافية والبشرية؛ وبساطة التخطيط ومرونته؛ وتنفيذ العمليات والتّحلي بروح مبادرة كبيرة وبمعنويات عالية.

 

هيكل القيادة والتّحكّم المرن واللّامركزي

لا يتمتّع داعش بهيكل قيادة وتحكّم دائم ومركزي بمفهوم الحرب التقليدي، وعلى عكس جيوش العالم العصرية، لا يفرّق داعش بالتحديد بين المستويات الاستراتيجية، والإجرائية والتكتيكية. ففي حربهم التقليدية، الإنجازات التكتيكية هي السبيل لتحقيق أهداف استراتيجية. وبالنسبة لداعش، يكمن الهدف الأساسي في تحقيق نجاحات تكتيكية والتوسّع بها خطوة بخطوة. ينحرف داعش عن النهج التقليدي ليعتمد هيكل قيادة تصاعدي مركّز على وتيرة سريعة للإنجازات العسكرية الصّغيرة. وفي الوقت الحالي، تستهدف الضربات الجوية التي تقودها الولايات المتّحدة في معظم الأحيان مرافق الاتّصالات والتّدريب الخاصّة بداعش. والمثير للدهشة هو عدم إصابة غارات التحالف الجوية أيّ مرفق للتّحكم.

تمزج الحرب التي يشنّها داعش بين التكتيكات الإرهابية، وحرب العصابات الحضرية، والحرب التقليدية.

يتمتّع داعش بمهارة تكفي لتنفيذ هجوم بالمدرّعات في اللّيل، ويبرع في التّصويب بدقّة من مدافع الدبابات الأساسية المزوّدة بالكاميرات الحرارية، ويستطيع زرع عبوات ناسفة في مناطق ومعابر حرجة. هو يشنّ حرب عصابات هجينة وحرب مدرعات تقليدية عبر نشر فرق مؤلّفة من 8 إلى 10 رجال تقوم بتطهير كلّ بناء وكلّ حيّ على حدة، وينفّذ عمليات في التّضاريس الحضرية.

بعد الضربات الجوية الأخيرة، فرّق داعش قوّاته بأكثر قدر ممكن، وقلّص فرقه إلى مركبتين أو ثلاث و8 إلى 10 رجال، وقد جرى تمويههم باحتراف كبير. الأوامر التنفيذية الصادرة عن داعش موجزة، توضح ما هي المهمة بعبارات بسيطة، وتترك كيفية تنفيذها للوحدات الميدانية.

لا بدّ من الإقرار بأنّ محاربي داعش النموذجيين يتمتّعون بذهنية الكاسب بجميع الحالات، فهم مطمئنّون بأنّ القتل في الجهاد نعمة، وحتّى إذا استشهدوا سيكون مصيرهم الجنة أيضًا. لا عجب إذًا بأنّ محاربي داعش يقاتلون بأدرينالين مرتفع ولا يتردّدون في القتل ولا في التعرّض للقتل.

تجري عملية نموذجية لداعش بالشكل الآتي: يتم إعلام وحدة من الدبابات المدرعة التابعة لداعش، أو وحدة متنقّلة من 8 إلى 12 محاربًا مع مركبتين إلى ثلاث مركبات، عبر الواتس آب، أو عبر رسالة على فيسبوك أو تويتر أو من خلال رسالة نصية، وإذا لم يكن ذلك متاحًا عبر شبكة الراديو الخاصة بهم، كي تتجمّع في مكان معيّن في وقت محدّد. وهذه المرة الأولى التي نرى فيها وحدات مقاتلة تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي في عمليات القتال. وقبل أن ينفّذ داعش عملياته، يبعث برسائل كاذبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى مقاتلي العدوّ والمدنيين الذين يعيشون في التجمّعات المدنية المستهدفة لتثبيط معنوياتهم وإحباطهم. وهكذا، يتم إبلاغ وحدات العمليات والوحدات اللوجستية في داعش كي تتجمّع في نقطة التقاء في غضون ساعتين إلى ثلاث ساعات، وبعد ساعة ونصف من محادثات التنسيق والاستعدادات اللوجستية تنطلق العملية.

ولا ننسى أنّ سائق دبابة عادي في داعش قد تدرّب على قيادة دبابته في الليل مع كاميرا حرارية، وأنّ قائد الفريق يتمتع بمعرفة عسكرية تكتيكية تكفي كي ينشر دباباته بأفضل طريقة ممكنة. بالإضافة إلى ذلك، يتعلّق الأمر بمهاجمة نقطة ضعف العدو، ومن المفضّل القيام بذلك بعد صلاة الفجر. تنفّذ المركبات المرحلة الأولى من الهجمات، تليها هجمات لقوات المشاة بحسب طبيعة المعارضة التي يواجهونها من العدو. في هذه الهجمات، نجح داعش بشكل ملفت في خلق توازن بين تصميم الحملة المرحليّة والحفاظ على إيقاع الحرب. وإنّ إيقاع القتال السريع أمر اعتاد عليه مقاتلو داعش، لكنّه في العادة أكثر ممّا يستطيع الجنود المعارضون تحمّله.

 

كيف نهزم داعش؟

كيف نوقف داعش في المرحلة الأولى لنهزمه بعد ذلك؟ يكمن السر في مفهومٍ تفتقر إليه حتى الآن القوات التي تحارب داعش في سوريا والعراق: الدّعم الجوي القريب الذي لا يمكن تأمينه إلا بتعاون قوي بين القوات الأرضية والوحدات الجوية. حتّى الآن، تقوم ضربات التحالف الجوية على الأقلّ بالحدّ من تقدّم داعش؛ وإنّ التعاون عن كثب بين القوات الأرضية والمروحيات المسلحة مثل إيه إتش-64 أو المنصّات الثابتة الجناحين مثل إيه-10 ثاندربولت قد يسمح بتكامل مطلق بين كل مهمة جوية وبين نيران القوات الأرضية وتحرّكاتها ما سيسمح بالقضاء على داعش.

أما السؤال المطروح الآن فهو كيف يستطيع التحالف برئاسة الولايات المتّحدة تأمين هذا المستوى من الدعم الجوي، ومن يتمتّع بالدراية التقنية الجوهرية والخبرة العسكرية الضرورية على الأرض.

نعلم أنّ عناصر القوات الخاصة التابعة للدول الداخلة في التحالف تشارك في عمليات لتأمين التوجيه الدقيق على الهدف بمؤشرات ليزر. لكن ذلك كان محدودًا. ما الحلّ إذًا؟

إمّا سيتوجّب على القوات المحلية التي تقاتل داعش تعلّم هذا التكتيك الذي يتطلّب خبرة عسكرية واسعة، أو سيكون على الدّول الداخلة في التّحالف تشكيل كتائب خاصّة لتعيينها لكلّ منطقة قتال أو للوحدات الرئيسية كمنسق لعمليات الدعم الجوي القريب. ولا عجب أنّ الموضوع الأكثر سخونة في المحادثات العسكرية الجارية هو من سيؤمّن هذا الدعم الجوي القريب وكيف. وعند تفصيل استراتيجيات الدعم الجوي القريب، يجب أن نتذكّر أنّ داعش يملك أنظمة دفاع جوي محمول تجعل الوحدات الجوية التي تقدّم الدعم الجوي القريب عرضة للهجوم عند تحليقها بسرعة وارتفاع منخفضين أثناء المهمات.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : troops, syria, strategic plan, islamic state, iraq, coalition
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept