ما وراء الملك توت: المتحف المصري بالقاهرة يسعى إلى إعادة ابتكار نفسه
مع اقتراب المتحف المصري بالقاهرة من الذكرى السنوية الـ 125 لتأسيسه، تُبذل الجهود لإعادة وضعه على الخريطة الثقافية في ضوء المنافسة من المتاحف الأحدث والأكثر بريقاً.
القاهرة - لأكثر من قرن، ظل المتحف المصري شامخاً في ميدان التحرير بالقاهرة، بوابةً لا منازع لها إلى مصر القديمة ، جاذباً إليه حشوداً من العلماء والسياح إلى قاعاته المزدحمة. ولكن مع نقل مومياواته الملكية وكنوز توت عنخ آمون إلى متاحف أحدث، يواجه هذا الصرح العريق، الذي يبلغ عمره 124 عاماً، سؤالاً جديداً: كيف سيكون شكل فصله القادم؟
أدى افتتاح المتحف القومي للحضارة المصرية في منطقة الفسطاط بالقاهرة عام 2021، والذي تلاه في العام الماضي افتتاح المتحف المصري الكبير الذي طال انتظاره بالقرب من أهرامات الجيزة، إلى إعادة تشكيل المشهد المتحفي في مصر.
استندت كلتا المؤسستين الجديدتين إلى أثمن مقتنيات المتحف المصري. فقد نُقلت نحو 22 مومياء ملكية إلى المتحف القومي للحضارة المصرية في موكب بُثّ على شاشات التلفزيون العالمية، بينما نُقلت كنوز الملك توت عنخ آمون إلى المتحف المصري الكبير، حيث تُشكّل محور مجموعته ومعروضاته.
كان التأثير على أعداد زوار المتحف المصري بالقاهرة كبيراً.
في حديثه لصحيفة "اليوم السابع" المحلية في يونيو/حزيران، قال مدير المتحف المصري علي عبد الحليم إن عدد الزوار اليومي، الذي كان يتراوح في السابق بين 7000 و8000 زائر، وأحيانًا أكثر، انخفض إلى ما بين 1000 و2000 زائر. ومع ذلك، يشير المسؤولون وعلماء الآثار إلى أن المتحف لا يزال يضم حوالي 100 ألف قطعة أثرية معروضة، بالإضافة إلى 100 ألف قطعة أخرى مخزنة، مما يجعله أحد أغنى مجموعات الآثار المصرية القديمة في العالم.
مع اقتراب الذكرى السنوية الـ 125 للمتحف في نوفمبر 2027، تزايدت الدعوات للاحتفال بهذه المناسبة بتجديد المؤسسة.
معلمٌ بحد ذاته
صمّم المهندس المعماري الفرنسي مارسيل دورنيون المتحف المصري عام ١٨٩٧، وكان من أوائل المباني في الشرق الأوسط التي استخدمت الخرسانة المسلحة. وقد أُدرج المبنى نفسه في سجل المواقع التراثية المصرية لقيمته المعمارية.
يحتل المتحف المصري، الواقع في ميدان التحرير، موقعاً بارزاً في أحد أشهر الساحات العامة بالقاهرة، وهو مكان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتاريخ السياسي المصري الحديث، بما في ذلك ثورة 1919 وانتفاضة 2011 التي أدت إلى الإطاحة بالرئيس حسني مبارك الذي حكم البلاد لفترة طويلة. وفي الوقت نفسه، يمثل المتحف نفسه موقعاً لنوع مختلف من التاريخ.
قال مجدي شاكر، عالم الآثار البارز في وزارة السياحة والآثار، لموقع المونيتور: "يمثل المتحف شاهداً على تطورين تاريخيين هامين: أولهما، ميلاد الحضارة المصرية القديمة نفسها. لقد كان البداية، الجد، كما يقول الناس. وثانيهما، تأسيس علم المصريات كتخصص علمي".
يرفض شاكر فكرة أن المتاحف المصرية الأحدث تتفوق عليه من حيث التاريخ الذي تمثله مجموعته.
وأشار إلى أن المتحف القومي للحضارة المصرية يشمل نطاق التاريخ المصري، بما في ذلك قصة الحضارات من عصور ما قبل التاريخ إلى العصر الحديث، في حين تم بناء المتحف المصري الكبير خصيصاً حول مجموعة توت عنخ آمون .
في غضون ذلك، يُسلّط المتحف المصري الضوء على كنوزه الأقل شهرة، بما في ذلك مقتنيات دفن بسوسنس الأول، "الفرعون الفضي" من الأسرة الحادية والعشرين. اكتشف عالم الآثار الفرنسي بيير مونتيه مقبرته عام ١٩٣٩ في تانيس، شمال شرق دلتا النيل. وقال شاكر إن قناعه الجنائزي الذهبي يُمكن الخلط بينه وبين قناع توت عنخ آمون، مضيفًا أن الملك دُفن في تابوت فضي نادر.
كما تُعرض قطع أثرية من مقبرة يويا وثويا، جدّي توت عنخ آمون ووالدي الملكة تيي. وتضمنت حجرة دفن الزوجين، التي حافظت على حالتها إلى حد كبير، عربةً وتوابيت وأقنعةً مذهبة.
كما يقدم المتحف معارض مؤقتة تعرض تاريخ مصر القديمة، مثل معرض "من ورق البردي الأخضر إلى الفن الخالد"، وهو معرض فني دولي افتتح في ديسمبر 2025.
قبل ذلك، في ديسمبر 2024، استضاف المتحف معرض "روائح مصر القديمة عبر العصور"، الذي سلط الضوء على فن وتاريخ صناعة العطور في مصر القديمة. وضمت المعروضات مجموعة من أوعية العطور القديمة ومخطوطات تسجل وصفات العطور، والتي جُمعت من مجموعته الخاصة، بالإضافة إلى مقتنيات من متحف الفن الإسلامي والمتحف القبطي، وكلاهما يقع في القاهرة.
هوية جديدة
حذر شاكر من أن أي عملية ترميم للمتحف المصري يجب أن تراعي الطابع التاريخي للمبنى. على سبيل المثال، قد يتطلب تركيب نظام تكييف مركزي إجراء تعديلات على الجدران التاريخية. وقال: "ينبغي إدخال التكنولوجيا بحذر، دون إلحاق الضرر بالمعلم الأثري".
قال عالم الآثار المصري البارز حسين بصير، وهو أيضاً مدير متحف الآثار في مكتبة الإسكندرية، إن انخفاض أعداد الزوار في المتحف المصري يعكس إعادة توزيع الأدوار بين مختلف المتاحف في مصر وليس انخفاضاً في قيمة مجموعة المتحف.
وقال لموقع "المونيتور": "التحدي الحقيقي ليس بناء متاحف جديدة، بل ضمان وجود بيئة متحفية لا تعمل فيها المؤسسات ضد بعضها البعض".
قال بصير إن المتحف المصري الكبير يمكن أن يكون بمثابة بوابة مصر الدولية إلى تاريخ مصر القديمة، بينما يروي المتحف القومي للحضارة المصرية القصة الأوسع لتاريخ البلاد، والتي تشمل حضاراتها وعصورها المتعددة . واقترح أن يتيح ذلك للمتحف المصري التركيز على تاريخ المجموعة نفسها وعلى علم المصريات كتخصص.
وأشار بصير على وجه التحديد إلى اقتراح سبق أن قدمه وزير الثقافة السابق فاروق حسني لتحويل المتحف إلى مركز دولي للبحوث المصرية.
ستجمع الخطة بين مساحات العرض وزمالات البحث وبرامج التدريب ومكتبة متخصصة ومختبرات الترميم والمعارض المؤقتة من متاحف مصرية أخرى.
وقال باسير إن هذا النهج من شأنه أن يحافظ على الدور العام للمتحف بدلاً من تحويله إلى مؤسسة مخصصة للأكاديميين فقط.
يدعو باسير إلى إجراء تحسينات محدودة فقط على المباني، مثل تحسين الإضاءة، وتعزيز الأمن، وتحديث أنظمة إخماد الحرائق والتحكم في المناخ. كما يؤيد إدخال نظام التذاكر الرقمية، واستخدام تطبيقات الهواتف الذكية أو أدوات الواقع المعزز كجزء من تجربة الزوار. ويمكن استخدام هذه التطبيقات والأدوات الأخرى لمساعدة الزوار على معرفة معلومات مثل مكان اكتشاف القطعة الأثرية، ومن قام بالتنقيب عنها، وكيف كان يبدو موقعها الأصلي، ولكن "دون ملء قاعات العرض بالشاشات".
تنشيط الأحياء
قال كل من شاكر وباسير إن مستقبل المتحف المصري مرتبط ارتباطاً وثيقاً بتجديد محيطه.
وأشار شاكر إلى ضرورة تحسين المنطقة الأوسع المحيطة بساحة التحرير، بما في ذلك كورنيش النيل وجسر قصر النيل ومجمع مبنى المجمع المجاور وساحة عبد المنعم رياض.
قال شاكر إن المقاهي والفعاليات الثقافية وتحسين إضاءة الشوارع من شأنها أن تساعد في ضمان بقاء المنطقة نشطة على مدار الساعة، "كما هو الحال خارج متحف اللوفر أو برج إيفل".
كما اقترح أيضاً تحديد ساعات عمل مسائية لجذب الزوار بعد حلول الظلام.
في الشهر الماضي، قال هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار في مصر، إن وزارة السياحة والآثار تنظر بالفعل إلى الذكرى السنوية لعام 2027 كفرصة لإعادة تقديم المتحف للعالم بعد إعادة تنظيم معروضاته.
وفي حديثه في مؤتمر صحفي، أوضح ليثي أن أعمال التطوير في المتحف مستمرة استعداداً للاحتفال بالذكرى السنوية الـ 125 لتأسيسه.
بالنسبة لبصير، لا يكمن مستقبل المتحف المصري في محاولة تقليد منافسيه الأكبر والأحدث، بل في احتضان مكانته الفريدة في التاريخ الثقافي لمصر.
وقال: "لا ينبغي لنا أن نحاول جعل متحف التحرير نسخة مصغرة من المتحف المصري الكبير". بل جادل بأن أفضل نهج هو الحفاظ على هويته الفريدة.
"إذا كان المتحف المصري الكبير هو بوابة مصر إلى المستقبل، فإن متحف التحرير هو ذاكرة المتحف نفسه وذاكرة علم المصريات".