البصرة - مع حلول مراسيم الأربعين الشيعيّة في 9 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، سرعان ما تقدّم أفراد مسيحيّون للمشاركة في الشعائر الشيعيّة كمثال للتعايش والتفاعل المجتمعيّ بين الأقليّة المسيحيّة والأغلبيّة الشيعيّة في وسط العراق وجنوبه، ومنهم المسيحيّ البصريّ يوسف توما الياس، الذي يبلغ من العمر 58 عاماً، وقد خدم الزوّار الشيعة الذين يحجّون إلى الإمام الحسين مشياً على الأقدام إلى كربلاء، حيث يقع ضريحه المقدّس، لكنّ هذه الرسائل الإيجابيّة الصادرة عن أفراد من الأقليّة المسيحيّة يبدو أنّها تخفي خوفاً عميقاً وانعدام ثقة تجاه الأغلبيّة التي عجزت عن حمايتهم من تهديدات المتشدّدين طوال الأعوام الأخيرة.
بعدما كانت مدينة البصرة تمثّل تاريخيّاً نموذجاً رائعاً للتعايش والانسجام الثقافيّ بين مختلف مكوّناتها الدينيّة، تواجه تهديداً بفقدان تنوّعها الدينيّ الثريّ من الأقليّات غير المسلمة، ومن دلائل ذلك اندفاع المسيحيّين للانغلاق على أنفسهم من أجل الحفاظ على خصوصيّتهم الدينيّة والثقافيّة.
وكشفت أزمة إزالة السلطات المحليّة في البصرة تمثالاً للعذراء أقامه ناشطون مدنيّون عن شدّة فقدان الثقة والتحسّسات والحذر الشديد من قبل المسيحيّين تجاه البيئة المحيطة بهم. وأزيل التمثال ساعات قبل تدشينه في منطقة العباسيّة بوسط البصرة في 19 أيلول/سبتمبر الماضي، ومنعت القوّات الأمنيّة الوصول إلى موقعه أو الاقتراب منه. والغريب في الأمر أنّ الإزالة جاءت بطلب من الكنيسة، إذ اعتبرت أنّه استغلال لرمز دينيّ مسيحيّ، كما جاء في عنوان رسالة المطران حبيب هرمز إلى السلطات المحليّة، والذي أشار إلى أنّ مبادرة كهذه قد تؤدّي "إلى ما لا يحمد عقباه"، وقال: "إذا حاول شخص خبيث القيام بما يؤذي هذا التمثال، فقد يؤدّي ذلك إلى إيقاع الإيذاء بالعلاقة بين مختلف أطياف شعب البصرة".
وعبّر هرمز عن قلقه من واقع تضاؤل عدد المسيحيّين، وقال: "هاجر حوالى 90 في المئة من مسيحيّي البصرة إلى خارج العراق منذ عام 2003 حتّى اليوم، ولم يبق سوى 350 عائلة".
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.