فيما تسعى إيران للإفادة من تخفيف العقوبات الذي طُبِّق بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة، يعني التراجع في أسعار النفط الخام أن طهران لن تتمكّن من الاعتماد على الإيرادات النفطية في المستقبل القريب. الأسوأ من ذلك هو أن الهبوط في أسعار النفط سيؤثّر في الصناعة الداخلية ذات الاستهلاك الكثيف للطاقة، والتي أفادت من الارتفاع في أسعار النفط الخام مع حصولها على دعم حكومي غير مباشر عن طريق المحروقات الزهيدة الكلفة. يعني هذا، في الجوهر، أن الصناعة الإيرانية ذات الاستهلاك الكثيف للطاقة على وشك خسارة ميزتها التنافسية في السوق العالمية. لكن المشهد ليس كله قاتماً. فإيران تملك ورقة رابحة قد يكون بالإمكان الاعتماد عليها جزئياً من أجل معالجة مسألة النمو الاقتصادي في المدى الطويل، وتتمثّل في قطاع التكنولوجيا العالية.
تستثمر إيران، منذ سنوات، في الصناعة التي تعتمد على البحوث والتنمية المكثّفة. لقد كانت هذه السياسة من المسائل النادرة التي تكوّن إجماع حولها في طهران التي غالباً ما تشهد سجالاً حول السياسة الاقتصادية بدفعٍ من الخصومات السياسية. في الواقع، لقد دعا المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي إلى تطوير اقتصاد مستند إلى المعرفة، ومن هذا المنطلق، دعم الشركات المحلية للتكنولوجيا العالية. تفيد هذه الشركات من إعفاءات ضريبية خاصة، ومحفّزات مالية، وقوانين تفرض حظراً على استيراد السلع التي يتم تصنيع منتجات مماثلة لها محلياً، من جملة إجراءات أخرى.
تتوقّع الرؤية الوطنية للجمهورية الإسلامية الممتدة على عشرين عاماً، صعود إيران إلى الدرجة الأولى في "مجالات الافتصاد والعلوم والتكنولوجيا في منطقة جنوب غرب آسيا (التي تضم آسيا الوسطى، والمناطق القرغيزية، والشرق الأوسط والبلدان المجاورة)". تشير الزيادة في الصادرات الإيرانية غير النفطية في الأعوام الأخيرة إلى السير باتجاه تحقيق هذا الهدف. في الواقع، بحسب صندوق النقد الدولي، كانت حصة العائدات غير النفطية في مجموع الإيرادات المالية الإيرانية خلال الفترة الممتدة بين العامَين 2012 و2014، الأعلى بين كل البلدان المصدّرة للنفط في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع وصولها إلى 56 في المئة، في مقابل 20 في المئة في السعودية، و31 في المئة في الإمارات العربية المتحدة. علاوةً على ذلك، واعتباراً من العام 2014، كانت إيران تضم 36 مجمّعاً علمياً وتكنولوجياً تستضيف ما يزيد عن 3650 شركة. وتوظّف هذه الشركات بصورة مباشرة أكثر من 24000 شخص. كما يُتوقَّع أن تزيد إيران حصة البحوث والتنمية في إجمالي الناتج المحلي، من 0.5 في المئة إلى 2.5 في المئة في المستقبل القريب.
لقد ألحقت العقوبات أذى كبيراً بقطاع التكنولوجيا العالية في إيران، لا سيما على مستويَين اثنين. ففي ما يتعلق بسلسلة التموين، جعلت العقوبات من الصعب على المصنّعين شراء المكوّنات الضرورية. وهكذا كان عليهم دفع أسعار أغلى، بينما أصبحت عملية الإنتاج تحتاج إلى وقت أطول – ما أدّى في نهاية المطاف إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج. وفي ما يختص بالمبيعات، تسبّبت العقوبات بتراجع الصادرات وعدم اهتمام الشركات الأجنبية بتوقيع عقود طويلة الأمد. كما أن قطاع التكنولوجيا المتطورة خسر التقنيين ذوي المهارات العالية – ولا تزال هذه النزعة قائمة بغض النظر عن التحسينات الطفيفة التي سُجِّلت خلال العامين المنصرمين.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.