من يصدّق أنّه بعد نحو ربع قرن على انتهاء الحرب الأهليّة رسميّاً في لبنان، لم يتمكّن هذا البلد من إعادة تأمين التيّار الكهربائيّ إلى سكّانه؟ معادلة تبدو في ذاتها معضلة، فكيف إذا أضيفت إليها معادلة أشدّ خطورة، مفادها أنّ لبنان دفع طيلة تلك الفترة نحو 27 مليار دولار أميركيّ في قطاع إنتاج الكهرباء، من دون الوصول إلى نتيجة. تشكّل أزمة الكهرباء في لبنان اختصاراً لمعاناة بلد كامل ودولة برمّتها، بين التقصير والفساد والعجز عن إدارة الحكم.
يدرك كلّ العارفين في الشأن اللبنانيّ أنّ مسألة تأمين التيّار الكهربائيّ إلى السكّان في لبنان تمثّل قضيّة وطنيّة كبرى، قاربتها كلّ الحكومات المتعاقب، من دون الوصول إلى أيّ نتائج ناجحة أو حاسمة. غير أنّ هذه المسألة بدأت تشكّل في الأعوام الأخيرة عنصراً ضاغطاً على مجمل وضع الخزينة العامّة للدولة اللبنانيّة، كما على الاقتصاد اللبنانيّ بكامله.
ففي الأرقام، أظهرت دراسة خاصّة أعدّها أحد الخبراء الاقتصاديّين لصالح جهّة حكوميّة، وحصل موقعنا على نسخة كاملة منها، أنّ إجماليّ العجز المتراكم على "مؤسّسة كهرباء لبنان" هو نحو 27 مليار دولار. رقم ليس عاديّاً. ولإدراك هول هذا الرقم، تكفي مقارنته بأرقام اقتصاديّة أخرى في لبنان. فهو يشكّل مثلاً نحو 40 في المئة من إجمالي الدين العام اللبنانيّ، المقدّر نهاية عام 2014 بنحو 68 مليار دولار. كما يشكّل نحو 55 في المئة من الناتج الوطنيّ المقدّر للفترة نفسها بنحو 49 مليار دولار. علماً أنّ هذا العجز تتحمّله خزينة الدولة اللبنانيّة، من موازنتها السنويّة، وذلك كون "مؤسّسة كهرباء لبنان" مؤسّسة عامة، وكون مسألة تأمين التيّار الكهربائيّ، في الحدّ الأدنى الممكن، واجباً حكوميّاً لا يمكن لأيّ سلطة لبنانيّة عامّة التنصّل منه. هكذا بات عجز قطاع الكهرباء في لبنان سنويّاً يشكّل نحو ثلث موازنة الدولة اللبنانيّة. وهو معدل صار شبه ثابت في الأعوام الثلاثة الأخيرة، حيث تتكبّد خزينة الدولة اللبنانيّة أكثر من ملياري دولار أميركيّ سنويّاً من الخسائر المهدورة، أو من الديون الهالكة لصالح مؤسّسة كهرباء لبنان. لكنّ الأسوأ أنّه على الرغم من كلّ تلك الأرقام السلبيّة، لا يزال سكّان لبنان بلا كهرباء دائمة، ولا تزال ساعات التغذية بالكهرباء من مؤسّسة كهرباء لبنان، لا تغطّي في أحسن الأحوال ثلثي ساعات النهار الأربع والعشرين، مع معدّل عال من الأعطال الطارئة، ومع كلفة إنتاج للطاقة الكهربائيّة، تقدّر بالأعلى في العالم، أي بنحو 22.73 سنتاً للكيلووات ساعة.
هذا الواقع المزمن والمستمرّ، هو ما جعل سكّان لبنان منذ أعوام طويلة، يلجأون إلى ظاهرة المولّدات الخاصّة – المشتركة. فيقوم أفراد تجّار– غالباً ما يكونون نافذين أو مدعومين من جهّات سياسيّة محليّة في بلداتهم أو أحياء مدنهم – بشراء مولّدات كهربائيّة كبيرة. يقومون بتشغيلها، ثمّ يعمدون إلى توزيع إنتاجها الكهربائيّ على المنازل، مستخدمين شبكات التوزيع الرسميّة العامّة، مقابل اشتراكات شهريّة يدفعها السكّان. وهي تجارة رائجة في لبنان منذ نحو عقدين كاملين، إذ تقدّرالدراسة المشار إليها، حجم قطاع توزيع اشتراكات الكهرباء الخاصّة هذه سنويّاً، بنحو مليار ومئتي مليون دولار أميركيّ سنويّاً، يدفعها سكّان لبنان لصالح مجموعة محدودة من المحظيّين بحمايات سياسيّة، ممّن يشكّلون "طبقة مالكي المولّدات الكهربائيّة الخاصّة". تضاف إلى كلّ هذا، نتائج سلبيّة أخرى لهذه القضيّة، على أصعدة اقتصاديّة أخرى، منها التأثير السلبيّ على قطاعات الإنتاج، وبالتالي على الناتج الوطنيّ في شكل عامّ، إضافة إلى الآثار البيئيّة الخطيرة لمشكلة وجود نحو نصف مليون مولّد كهربائيّ خاصّ، بين مولّد فرديّ لمنزل ومولّد خاصّ – مشترك لمجموعة من المنازل. وهي في مجملها تعمل في غياب أيّ شروط بيئيّة، وتشكّل مصدر تلوّث كبير جدّاً للبيئة في لبنان.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.