اندلعت بعد ظهر يوم الأحد، في 5 تشرين الأول الجاري، معارك ضارية بين مسلحي "داعش" و"جبهة النصرة" من جهة، وبين الجيش اللبناني ومقاتلي حزب الله من جهة أخرى. وذلك في نقطة اشتباك جديدة بين الطرفين، وسط الحدود الشرقية للبنان مع سوريا. وقد بدأت المعركة بعدما حاول المسلحون الأصوليون السنة التسلل من منطقة جرود عرسال، عند الزاوية الشمالية الشرقية من لبنان، والاتجاه جنوباً صوب الوسط . علماً أن المنطقة التي انتقلت إليها الاشتباكات هي ذات كثافة سكانية شيعية، نتيجة محاذاتها لمدينة بريتال وقربها من مدينة بعلبك، اللتين تعتبران من معاقل حزب الله.
مصادر قريبة من التنظيم الشيعي الأقوى في لبنان والمنطقة، ذكرت لموقعنا أن عدة عوامل فرضت هذا الانتقال من قبل مسلحي "داعش" و"النصرة". أول تلك العوامل هواالقدوم المفاجئ والمبكر نسبياً لفصل الشتاء، أو على الأقل لصقيعه القاتل في تلك المناطق الجردية. ذلك أن أواخر شهر ايلول شهد انخفاضاً كبيراً في درجات الحرارة في تلك الجبال التي يصل ارتفاع قممها إلى أكثر من 2600 متراً عن سطح البحر. فضلاً عن طبيعتها الجردية القاحلة وطقسها الداخلي القاري. وهو ما فرض على أؤلئك المسلحين محاولة البحث عن ملجأ ينتقلون إليه من تلك الجرود. ثانياً، إحكام الجيش اللبناني في الأيام الأخيرة، لسيطرته على الطرق الواصلة بين مدينة عرسال وجرودها. وهي خطوة نجح الجيش في فرضها للمرة الأولى، منذ اندلاع المعركة بينه وبين المسلحين الأصوليين في 2 آب الماضي. علماً أن عرسال هذه، كانت قد شكلت طيلة العامين الماضيين، الملاذ الآمن لهؤلاء الإرهابيين، خصوصاً في فصل الشتاء. إذ تحولت عرسال إلى الخلفية اللازمة لاستراحة المسلحين، كما مستودعهم اللوجستي، للسلاح والذخيرة والعتاد والتموين والغذاء، وصولاً حتى المستشفى والمستوصف. كل ذلك أمنته عرسال لأكثر من 3 آلاف مسلح كانوا ينتشرون في جرودها الممتدة على طول نحو 70 كيلومتراً. وبالتالي، ومع تمكن الجيش من قطع تلك الطريق بين عرسال وجرودها، وضع يده على شريان حياة أولئك المسلحين، وبدأ يضغط عليه لبتره كلياً.
ثالث تلك العوامل، اعتقاد المسلحين الأصوليين بأن لديهم فرصة ذهبية الآن بالذات، للعب على أوتار التناقضات اللبنانية الداخلية. وخصوصاً استثمار الانقسامات المذهبية السنية – الشيعية في الداخل اللبناني، مما قد يشكل عنصر مؤازرة لهم في معركتهم. ذلك أن مسلسل التحركات والاعتصامات وقطع الطرقات الذي نفذه أهالي العسكريين اللبنانيين الذين اختطفهم مسلحو "داعش" و"النصرة" في 2 آب الماضي، بدأ يتخذ شكل الاصطفاف المذهبي في لبنان، بين سنة وشيعة. إضافة إلى تحركات أمنية موازية في مدينة طرابلس، راحت ترفع رايات "داعش" وتدعو إلى دعم إرهابييها. وهو ما كون لدى المسلحين الأصوليين على الأرجح، اعتقاداً بأن أي جبهة جديدة يفتحونها، قد تشكل صاعقاً لتفجير الوضع اللبناني برمته، على طريقة حجارة الدومينو، بحيث تسقط تباعاً كل الدفاعات المقامة ضدهم، ويتمكنوا من تحقيق الاتصال الجغرافي بين مناطق عزلتهم في الشرق، ومناطق انتشار بعض المؤيدين لهم في البقاع الأوسط أو في الشمال اللبناني. ويبقى العامل الرابع تقنياً، ألا وهو استغلال فرصة عيد الأضحى لشن الهجوم، علَ تلك العطلة تكون قد أدت إلى التخفيف من أعداد مقاتلي حزب الله المرابطين في النقاط المهاجمة، مما يرفع من قيمة عنصر المباغتة.
في ضوء تلك العوامل الأربعة، تضيف الأوساط القريبة من حزب الله لموقعنا، قرر المسلحون الإرهابيون فتح جبهتهم الجديدة. جبهة، تؤكد الأوساط نفسها أنها محكومة بالفشل ميدانياً. وأنها ستكون موضع حسم سريع من قبل حزب الله والجيش اللبناني، وسط مؤازرة ميدانية بالنار من قبل الجيش السوري من الجهة الأخرى من الحدود. لكن السؤال سيظل مطروحاً: أي نتيجة ستكون لهذه المعركة، على مستويين، اولاً على مستوى أجواء التوتر المذهبي داخل لبنان، وخصوصاً في طرابلس وبعض مناطق الشمال، وثانياً لجهة مصير العسكريين الرهائن لدى الإرهابيين؟ سؤالان مقلقان للأام المقبلة لبنانياً.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.