يتّسم السلوك السياسي للسيستاني بالهدوء، التخطيط والإستمرارية في العمل؛ وقد أنجز الكثير من برامجه في السنوات الماضية بنفس الطريقة. وكان يُتَصور بأن السيستاني قد خسر اللعبة أمام المالكي حيث الأخير قد تمسك بزمام الأمور الداخلية بشكل مطلق وقد بنى علاقات وثيقة مع الجهات الخارجية المؤثرة في العراق بشكل يتيح له الاستمرار بمنهجه السياسي لأربعة سنوات أخرى. كما أنه قد وقف بوجه السيستاني متحدياً إياه بأن يتراجع عن مطالبه السياسية بضرورة تنحي المالكي، وذلك لإعادة التوافق السياسي بين مكونات العراق في الحكومة القادمة. وقد حرّك المالكي أيضاً مراجع دين منافسين للسيستاني بأن يتبنوا رؤية مخالفة للأخير ويقومون بالدعم المباشر للمالكي. ولكن كلّ هذا لم يؤدي الى افشال التخطيط الدقيق الذي سار عليه السيستاني منذ أمد طويل لحماية العمل الديمقراطي في العراق.
والدور الذي يلعبه السيستاني يمتزج بالكثير من الحساسية والصعوبة، وقد يثير احياناً مسائل خلافية حول ذلك من حيث أن كيف يحق لرجل دين أن يتخذ موقفاً سياسياً في بلد تجري فيه الإنتخابات ويوجد فيه ممثلون للشعب يقومون بالقرارات السياسية. وقد استخدم المالكي هذا الاستدلال بشكل قوي للوقوف أمام مطالبات المرجع الشيعي الكبير. ولكن هذا الموضوع لا يمكن الحكم عليه دون الإطلاع على الوضع الإجتماعي للعراق ومسار الانتقال الديمقراطي في البلد واسلوب العمل السياسي للسيستاني.
إن المجتمع العراقي ما زال مجتمعا جماعيا لحد كبير ما يجعل القرارات السياسية للبلد بيد أصحاب السلطة الاجتماعية من شيوخ العشائر ورجال الدين وأمثالهم ممن لديهم التأثير الكبير في صنع القرار السياسي للبلد. وهذا يشكل تحديا كبيرا على مسار الديمقراطية في البلد من حيث أنه يحول الانتخابات الى أداة بيد أصحاب السلطة الاجتماعية لحفظ سلطتهم والتوسع فيه وإخلاء الديمقراطية من مغزاها الحقيقي المبتني على القرارات الحرة من قبل أفراد الشعب مباشرة.
وقد شكلت هذه الخصوصية الاجتماعية للمجتمع العراقي تحديا كبيرا للسيستاني من حيث القيام بدور مساعد في مسار الدمقرطة دون الوقوع في فخ التدخل في العمل السياسي الذي يناقض مبادئه الأساسية حول ضرورة قيام الحكم المدني غير الديني في العراق. حاول السيستاني طوال سنوات ما بعد 2003 أن يواجه هذا التحدي الكبير بجعل نفسه موقع الوسيط بين الشعب والحكومة من جهة وبين الأطراف المشاركة المختلفة في الحكومة. وقد كان بابه مفتوحا لجميع المكونات الدينية والعرقية للبلد وكان يتابع المطالبات المشروعة لكل الأطراف. ولكن في نفس الوقت لم يضع نفسه موضع أحد الأطراف السياسية مطالباً بموقف سياسي محدد أكثر من محاولته لايجاد الاتفاق بين الجميع وضمان مشاركة كل الأطراف لحفظ الاستقرار في البلد.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.