بعد دفعة الصواريخ الرابعة من جنوب لبنان على اسرائيل في غضون أربعة أيام، باتت هذه المسألة تشكل إحراجاً سياسياً وميدانياً كبيراً، أولاً للحكومة اللبنانية. وثانياً وربما أكثر لحزب الله.
الدفعة الأولى من الصواريخ أطلقت يوم الجمعة في 11 تموز الجاري من محاذاة الحدود الجنوبية الشرقية للبنان على اسرائيل. بعدها ألقى الجيش اللبناني القبض على مشتبهين في العملية. أحدهما كان قد أصيب بحروق بالغة في كل أنحاء جسمه، جراء مشاركته في إطلاق الصواريخ. ليتردد لاحقاً أن الموقوفين ينتميان إلى قوى إسلامية سنية.
لكن في الأيام الثلاثة التالية انتقل المسرح الصاروخي من الزاوية الجنوبية الشرقية إلى الساحل الجنوبي الغربي. ومن منطقة ذات غالبية سكانية سنية ودرزية، إلى مثلث مركب الديمغرافيا: بين أصحاب أرض شيعة، ولاجئين فلسطينيين، ونازحين وعمال سوريين. فعلى مدى أيام 12 تموز و13 و14 منه، سجل إطلاق ثلاث دفعات ليلية من الصواريخ باتجاه اسرائيل، من سهل القليلة على شاطئ الجنوب اللبناني. نقطة الإطلاق تقع على نحو عشرة كيلومترات جنوب مدينة صور، وأقل من ثمانية كيلومترات شمال الحدود اللبنانية الاسرائيلية. وبالنسبة لسكان المنطقة من حيث أطلقت الصواريخ، يبدو الأمر مدعاة للكثير من الاستغراب ومثيراً لمزيد من التساؤلات. فالمنطقة محاطة بقرى وبلدات شيعية، تدين غالبيتها بالتأييد لحزب الله. وهي بالتالي تعلن رفضها لإطلاق تلك الصواريخ التي تصفها بأنها "مريبة". أما على بعد نحو كيلومترين شمال الموقع المرجح، فيقع مخيم الرشيدية للاجئين الفلسطينيين مما يساعد على تبني احتمال أن يكون أحد سكان المخيم أو مجموعة منهم قد تسللوا نحو السهل لإطلاق صواريخ تضامنية مع مواطنيه في قطاع غزة. أما في مناطق متفرقة محيطة بالموقع، فتتوزع عشرات الخيم التي يقيم فيها عمال موسميون زراعيون سوريون. يؤكد بعض أهالي المنطقة أن عددهم قد تزايد أخيراً، بعد انضمام بعض النازحين من سوريا إليهم. لكن يبقى السؤال في حالة فرضية أن يكون المشتبه بهم من هؤلاء، كيف قدر لعامل أونازح سوري أن ينفذ عمليته الأولى، ثم يكررها في الليلة الثانية ثم الثالثة، وسط انتشار أمني وعسكري لمئات عناصر الجيش واليونيفيل، كان يتضاعف يوماً بعد يوم؟! ومهما كانت هوية العناصر الذين أطلقوا الصواريخ، المهم أنه من هذا المثلث الشيعي - الفلسطيني - السوري انطلقت دفعات ثلاث من صواريخ شبه بدائية، لا يتعدى مداها 11 كيلومتراً. وهو ما جعلها تسقط على بعد مئات الأمتار فقط شمال الحدود اللبنانية. لترد اسرائيل بقصف مدفعي من عيار 120 ميليمتراً، من موقع يبعد 14 كيلومتراً عن نقطة إطلاق الصواريخ، كما أكد لنا مصدر أمني لبناني.
هذا الواقع الميداني شكل إحراجاً عملانياً للسلطات اللبنانية كما لحزب الله. إذ طرح على الاثنين مسألة عجزهما عن ضبط نقطة محددة تعرضت لخرق أمني خطير، على مدى ثلاث ليال متتالية. غير أن الإحراج الأكبر للطرفين يظل في السياسة. ذلك أن إطلاق صواريخ على اسرائيل، في لحظة مواجهة مفتوحة بين الجيش الاسرائيلي والفلسطينيين في غزة، جعل الموقف السياسي والإعلامي للحكومة اللبنانية كما لحزب الله موضع انتقاد ومساءلة. فعلى مدى أكثر من عقدين، تولى حزب الله مهام الجبهة الجنوبية للبنان، باسم "المقاومة" وبشكل حصري. وتولت الحكومات اللبنانية المتعاقبة مهمة تشريع هذا الواقع، عبر تضمين بياناتها الوزارية التي تنال على أساسها ثقة المجلس النيابي، عبارة تؤكد شرعية تلك "المقاومة". وهو ما لم تشذ عنه حتى حكومة تمام سلام الحالية. أما المفاجأة المحرجة والمزعجة اليوم، فهي قيام أفراد أو جهات من خارج حزب الله بمهاجمة اسرائيل. ومسارعة السلطات اللبنانية إلى ملاحقتهم وحتى اعتقالهم. فماذا لو مثل الموقوف في عملية إطلاق صواريخ 11 تموز، أمام قاضي التحقيق وقال في إفاته أنه جزء من "المقاومة" التي تشرعها الحكومة في بيانها الوزاري؟ ماذا لو تذرع أن وضعه القانوني مطابق لوضع عناصر حزب الله في الجنوب؟ ماذا سيفعل القضاء اللبناني عندها؟ إذا أدان الموقوف، بات في موقع من يدين حزب الله. وإذا برأه، فتح المجال قانونياً لتفلت أمني كامل عند الحدود اللبنانية.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.