من المنطقي انتقاد الخبراء في الشؤون الدولية لفشلهم في توقع أي من الأحداث المصيرية التي جرت في العقود القليلة الماضية، فسقوط الشيوعية في أوروبا الشرقية، وانهيار الاتحاد السوفياتي، و"الربيع العربي" قد أخذت جميعها الخبراء على حين غرة. لكن في المقابل، يصح العكس في بعض الحالات حيث يحذر المتنبئون السياسيون بالإجماع من أمر معين لكن صناع القرار يصرفون النظر عنه ببساطة. والعراق يمثل تمامًا إحدى تلك الحالات.
في خريف العام 2002، وعندما اتضح أنّ حكومة جورج دبليو بوش كانت تضغط بغية التحرك عسكريًا ضد الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين، برز إجماع فعلي في أوساط المستشرقين الروس، ففي ما عدا بعض الاستثناءات البسيطة، أكدوا بالإجماع على أنّ خطوة مماثلة ستسبب الفوضى وتقود في نهاية المطاف إلى زوال العراق كدولة موحدة.
قام الخبراء الروس في جميع المؤتمرات الدولية واللقاءات الشخصية بتحذير زملائهم الأميركيين من القيام بذلك، فوافق البعض منهم، وأومأ آخرون إشارة إلى درايتهم بالأمر، لكن لم يكونوا مقتنعين، في حين استهجن آخرون الأمر، بخاصة الذين يعملون مباشرة مع الحكومة الأميركية، وعلقوا قائلين، لا حاجة إلى تخويفنا، لا مفر من التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط، هو فقط بحاجة إلى محفز.
لكن بعد عام أو اثنين، وعلى خلفية الاضطرابات الدموية في العراق، اضطر كثير من المتفائلين للاعتراف بأنّ المشككين الروس كانوا على حق. وفي وقت لاحق، بعد فرض النظام بعض الشيء في العراق مع بداية الإجراءات الديمقراطية نسبيًا، بدا مجددًا أنّ موسكو بالغت في توقعاتها. لكن الروس لم يعلقوا آمالاً كبيرة على مستقبل العراق حتى في تلك الفترة. وقد خلصت معظم التفسيرات حول انسحاب القوات الأميركية من هناك إلى واقع أنّ الولايات المتحدة كان لها مهمة واحدة، وهي الحرص على عدم انهيار الديمقراطية في العراق مباشرة بعد تحرره من الاحتلال، ما يحفظ ماء وجه الأميركيين.
لم يحل انعدام الثقة في فرص العراق دون إقامة موسكو علاقات مع القيادة العراقية، بخاصة بعد أن أوصلت الانتخابات الديمقراطية إلى السلطة قوى أكثر تناغمًا مع إيران منها مع الولايات المتحدة، وهو أمر كان من السهل توقعه نظرًا للتركيبة الطائفية في العراق. بعد الإطاحة بصدام، بدا أنّ شركات النفط الروسية، بخاصة شركة لوك أويل، قد خسرت نهائيًا السوق العراقي وموارده، لكنها بدأت تدريجيًا بإعادة الاستثمار في المشاريع السابقة مثل تطوير حقل غرب القرنة الكبير. وفي سياق غير متصل، تم بناء علاقات مع القيادة الكردية. وفي العام 2012، تم التوصل إلى صفقة مهمة لبيع بغداد أسلحة تفوق قيمتها 4 مليارات دولار، ما سبب إزعاجًا واضحًا لواشنطن. لم يكن حتى قد أُبرِم الاتفاق بعد عندما عندما نشب نزاع حول الموضوع، غير أنّ رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي سعى إلى التنويع قدر الإمكان في العلاقات الاقتصادية والجيوسياسية تجنبًا للاعتماد الحصري على أي من اللاعبين الرئيسيين.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.