يخطئ اللبنانيّون بخاصة من تسبّب بتعطيل جلسات انتخاب رئيس للجمهوريّة، إن ظنّوا أن الفراغ مسألة عرضيّة يسهل استيعاب تداعياتها. فالفراغ يولّد الفراغ. وما تتعرّض له الحياة الدستوريّة من هزات لا بدّ من أن ينعكس على الواقع الاقتصادي ويرتّب على الاقتصاد اللبناني المنهك أصلاً، كلفة باهظة أقلّ ما يقال أنه كان بغنى عنها.
ترددات الفراغ الدستوري بدأت تظهر في تقارير المؤسسات الماليّة والمصرفيّة العالميّة التي أعادت احتساب تصنيفها للبنان بعدما تراءى لها ارتفاع نسبة المخاطر فيه وتراجع توقعات النموّ وفرص الإصلاح. وكانت باكورة هذه المؤشرات ما جاء في تقرير أصدره المصرف الاستثماري العالمي "ميريل لينش" في أوّل شهر حزيران/يونيو الجاري، والداعي إلى إعادة تصنيف الدين الخارجي للبنان من "مستوى السوق" (market weight) إلى "دون مستوى السوق" (under weight). وذلك بسبب تصدّع أساسيات الاقتصاد الشامل وتدهور الأوضاع السياسيّة.
الأمر لا يتعلق حصراً بالفراغ في سدّة الرئاسة بل بالظروف المحيطة به وبانسداد أفق الحلّ في الأجل القريب. فليست المرّة الأولى التي يشهد فيها البلد الصغير فراغاً على المستوى الرئاسي أو الحكومي. سبق أن شهد فراغاً مماثلاً في العام 2008 حينما حالت الأزمة السياسيّة الداخليّة دون انتخاب رئيس، فبقي الموقع الأول في الجمهوريّة شاغراً لشهور. ومع ذلك، شهد الاقتصاد اللبناني نمواً بلغ 8%. لكن في ذلك الوقت، تمكّن البلد الصغير من تجاوز أزمته بفضل شبكة رعاية دوليّة محيطة به، بخاصة وأن الوضع الإقليمي لم يكن على هذه الدرجة من التشنّج. فلم تكن الحرب في سوريا قد اندلعت بعد ووصلت ألسنة نيرانها إلى العمق اللبناني، ولم تكن "الحرب ضد الإرهاب" قد اتخذت هذه الصيغة الجديدة مع تحالفاتها المستحدثة، ولم يكن الحوار الأميركي-الإيراني قد بلغ هذا الحدّ.. أي حدّ الإطاحة بكل التوازنات القائمة في لبنان وكذلك في الشرق الأوسط.
ظروف الفراغ اليوم مختلفة تماماً عن ما كانت عليه قبل ست سنوات. فالفراغ الرئاسي كما يشير تقرير "ميريل لينش" يعكس مشكلة باتت مزمنة، وهي حال الشلل السياسي المتحكم بالمؤسسات. وحذّر التقرير من إمكانيّة اتساعها وخطورة ذلك، بخاصة وأنها متصلة بمسار الأزمة السوريّة المستمرة. لذلك انعكس عجز البرلمان اللبناني عن انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة، زيادةً في نسبة المخاطر المتصلة بالاقتصاد اللبناني واعتبر عاملاً مضعفاً لأساسيات الاقتصاد الشامل. وهذه العوامل بالإضافة إلى غياب الإصلاحات وهو الأمر الذي لم يغفل التقرير عن التذكير به، أصبحت عنواناً لأزمة هيكليّة مستدامة دفعت بـ"ميريل لينش" إلى إعادة تصنيفها للديون الخارجيّة اللبنانيّة محمّلة إياها درجة أعلى من المخاطر مقارنة مع مثيلاتها الصادرة عن اقتصادات ناشئة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.