يعتقد سوريّون كثيرون أن وضع الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السوريّة، وعلاقة العالم مع ثورتهم ومع نظام [الرئيس السوري بشار] الأسد، لا بدّ من أن يشهدا بعض التغيير، بعد أن تأكد لهم في خلال مؤتمر جنيف أن روسيا لا تريد حلاً سياسياً لمعضلتهم يطبّق وثيقة جنيف واحد والقرار الدولي الرقم 2118 وأن موقفها تطابق مع موقف الأسد الذي يرفض أي حلّ انتقالي يأخذ سوريا إلى نظام ديمقراطي بديل ويريد قصر أي تفاهم سوري-سوري أو أميركي-روسي على وقف العنف ومكافحة الإرهاب. فقد قال وفده إلى جنيف إن المعارضة جزء منه وإن جيش السلطة سيواصل إطلاق النار إلى أن يتمّ القضاء على الجيش السوري الحرّ كقوّة إرهابيّة، وألمح إلى أنه يريد العمل تحت مظلة روسيّة/أميركيّة مشتركة تتّخذ موقفاً موحداً من الإرهاب ويمكن أن توافق على مكافحته بالتعاون مع نظام الأسد كجهة تمتلك الخبرة والقوة الضروريّتَين لخوض وكسب الحرب ضدّه.
في جنيف، غيّر الروس موقفهم من حلّ أساسه وثيقة جنيف واحد وقرار مجلس الأمن الدولي الرقم 2118 نتيجة تغيّر الوضع الميداني. عندما قبلت موسكو ودمشق وثيقة جنيف واحد في منتصف العام 2012، كان الجيش الحرّ في وضع هجومي والنظام يتعرّض لهزيمة تلو أخرى. واليوم، يحدث العكس. فيتقدّم جيش النظام ويُمنى الجيش السوري الحرّ بالهزائم. هذا التغيّر الميداني أقنع الروس بتغيير موقفهم من جنيف واحد وبأن المعارضة يمكن أن تقبل ببعض الضغط حلاً ينقذ النظام ويجبر المعارضة على الانضمام إلى حكومة يشكّلها بشار الأسد، تتمثّل فيها بعدد محدود من الأعضاء.
فاجأ الموقف الروسي المجتمع الدولي ووضعه أمام سؤالَين يتّصل أولهما بكفاية الوسائل والأدوات التي استخدمها قبل المؤتمر وفي خلاله لتسوية الصراع السوري سلمياً، وثانيهما بما يجب فعله لإقناع الروس بتغيير موقفهم وبحجم الضغط المطلوب لتحقيق ذلك، في حال أصرّوا على موقفهم الذي يرفض الحلّ السياسي المقرّر دولياً. ما الحجّة التي استخدمها الروس لإفشال جنيف؟ إنها حتمّية سعي السوريّين أنفسهم إلى إيجاد حلّ يتفاوضون عليه مباشرة ومن دون شروط مسبقة، واعتبار أي مسعى دولي في اتجاه الحلّ تدخلاً في شؤونهم الداخليّة وعدواناً على سيادتهم الوطنيّة وحريّتهم في اتخاذ القرار. بعد المؤتمر، كان يجب أن ينهمك الطرف المؤيّد للثورة السوريّة في مراجعة وضعه. وبعد انقضاض روسيا على أوكرانيا، كان يجب أن يقتنع أخيراً بعجز ما يستخدمه من وسائل وأدوات عن مواجهتها، على الرغم من تحدّيها الصريح للقانون الدولي ولمبدأ عدم التدخل الذي تذرّعت به لمنع مجلس الأمن من وقف قتل الشعب السوري أو قبول تطبيق وثيقة جنيف واحد. يواجه العالم اليوم أزمة أنتجها عدوان روسي على دولة مستقلة وعلى ثورة قام بها شعبها لخلع رئيس موال لموسكو، بحجّة الدفاع عن الناطقين بالروسيّة من الأوكرانيّين، الأمر الذي وضع المجتمع الدولي أمام سؤال إضافي حول كفاية وجدوى الوسائل والأدوات التي يمكن استخدامها للوصول إلى حلّ مرضٍ في أوكرانيا يحافظ على وحدتها وحريّتها وعلى مصالح روسيا وأمنها. ثمّة معضلة يطرحها سلوك الروس في أوكرانيا. هي استحالة كبحهم ومواجهتهم بوسائل عسكريّة وما ينجم عن ذلك من مخاطر على الشرعيّة الدوليّة، وغلبة روسيا على القوى العظمى الأخرى بخاصة على الصعيد المعنوي والدعائي الذي أقنع العالم بأن الولايات المتحدة الأميركيّة تزداد ضعفاً وعجزاً عن مجاراة روسيا، التي تتّخذ في المقابل مواقف تدعم النظام السوري وتتحدّى المجتمع الدولي عامة والولايات المتحدة بصورة خاصة، وتثبت أنها دولة قويّة وصاعدة وتلعب دوراً متعاظماً في السياسات الدوليّة. هل ستقوم واشنطن بما يزيل هذا الانطباع الواسع الانتشار في العالمَين العربي والإسلامي، ويواجه نتائجه العمليّة في مناطق كثيرة منهما؟ وفي حال قرّرت مواجهته، هل ستكتفي بالوسائل التي تستخدمها الآن، أم إنها ستطوّر وسائل جديدة تتيح لها ردوداً فاعلة على سياسات روسيّة تتحدّى المجتمع الدولي؟ تبيّن المسألة الأوكرانيّة إلى جانب المسألة السوريّة طبيعة العلاقات الدوليّة وثبات خيارات القيادة الروسيّة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وزوال النظام الشيوعي، وتؤكد حاجة الولايات المتحدة إلى سياسات تستطيع ضبط فلتان [الرئيس الروسي فلاديمير] بوتين ومساعديه والحدّ من خطورتهم على الأمن والسلام الدوليَّين. بالعودة إلى فشل مؤتمر جنيف وما أعقبه من تطوّرات، من المؤكد أن البيت الأبيض يواجه مصاعب متزايدة في مواصلة [اعتماد] سياسات شجّعت الروس على التمادي في دعم حرب منظّمة على أعلى مستوى عسكري وسياسي يشنّها الأسد ضدّ شعب سوري مسالم واظب طيلة أشهر على إبقاء تظاهراته سلميّة ومدنيّة وامتنع في خلالها عن رفع أي شعار إسلامي أو إصدار أي بيان مذهبي وأصرّ على أن ثورته تريد الحريّة والديمقراطيّة لمجتمع ودولة سوريا الموحّدَين، بينما كان الأسد يبذل جهوداً منظّمة لحرف الثورة عن هدفها هذا وتحويلها بالقوّة إلى اقتتال مذهبي طائفي يخيف بواسطته المجتمع الدولي ويضعه أمام الاختيار بين القبول بنظامه وبين نظام إرهابي يمثّل تهديداً لأمنه. في حسابات الأسد، إن نجاحه في إجبار المجتمع الدولي على الاختيار بينه وبين الإرهابيّين، سيرغمه على تغيير موقفه منه والتعاون معه ضدّ الإرهاب وعلى دعمه في معركة تفيد من خبرات أجهزته في محاربة التنظيمات الإسلاميّة، الأصوليّة منها والسياسيّة والمسلّحة والمسالمة على حدّ سواء. وكان النظام قد بادر إلى لعب ورقة الإرهاب بعد قيام الثورة، فأطلق سراح الجهاديّين من سجونه ورفض مطالب الشعب الإصلاحيّة وامتنع عن إجراء أي حوار مع المعارضة من شأنه فتح الأبواب أمام حلّ سياسي داخلي وإغلاق أبواب تدخّل الخارج في الصراع الدائر في داخل سوريا. عندما بدأ الجهاديّون ينظّمون أتباعهم في تشكيلات مسلحة، أحسّ الأسد بالارتياح وأيقن أن ما خطّط له سيحرف ثورة الحريّة عن مسارها وسيحوّلها إلى عنف سيقوّض أكثر فأكثر دور السياسيّين في الثورة وسيضعف سيطرتهم على أحداثها وخياراتها لصالح الجهاديّين والتكفيريّين. سقط المجتمع الدولي في الفخ وشرع يرى المسألة السوريّة من خلال الإرهاب والحرب ضدّه، بدلاً من أن يراها كأزمة أنتجها نظام الأسد. بذلك، سيطر نهج في الفهم اتخذ مواقفه انطلاقاً من النتائج لا الأسباب، فأحجم عن أو تردّد في التصدّي لنظام قتل وجرح وأخفى وشوّه وعذّب وطارد قرابة مليون سوريّة وسوري وجوّع الملايين من مواطناته ومواطنيه. والآن، هل سيغيّر البيت الأبيض مواقفه من المجزرة الرهيبة الدائرة في سوريا بعد إفشال جنيف وغزو أوكرانيا ووجود قرار دولي يشرعن تقديم مساعدات إنسانيّة عابرة للحدود للسوريّين، وبعد قيام جيش المعارضة السوري الحرّ بشنّ حرب يوميّة على الإرهابيّين وطردهم من مناطق واسعة كانوا يسيطرون عليها، وبعد أن بيّنت أدلة قاطعة أن جيش النظام الذي يوهم العالم أنه عدوّ للإرهاب أعانهم بصورة مباشرة وغير مباشرة على احتلالها ثم على الدفاع عنها أو استعادتها؟ هذا هو السؤال الذي يتداوله السوريات والسوريّون، ورأي عام عالمي واسع ينظر بغضب إلى ما يتعرّض له شعب سوريا من قتل يومي لا يريد أحد وقفه!
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.