قد تضررت الجبهة الشيعية المعتدلة كثيراً في العقود الاخيرة بسبب الضغوط التي تحملتها من قبل المتشددين السنة والشيعة من كلا الطرفين. فقد اعتبروهم المتشددون الشيعة بأنهم خونة يضربون في خاصرة المشروع الشيعي من الداخل؛ كما لم يميز المتشددون السنة بينهم وبين متشددي الشيعة ضمن رؤية دينية متطرفة على أساس أن كل شيعي فهو ضال منحرف. والآن بعد الخسائر التي حمّلتها وتحمّلتها مشاريع الاسلام السياسي المتشدد، نشاهد صعوداً للصوت الشيعي المعتدل ومحاولات لبلورة كيان اجتماعي واسع ينظم ويطور هذا التيار.
تاريخياً تمثل حوزة النجف الوجه المعتدل للمجتمع الشيعي، حيث تخرج منها عدد كبير من الشخصيات الشيعية المعتدلة ابرزهم ما عرف بجيل مدرسة الامام الخوئي المتميزة برفضها لفكرة ولاية الفقيه والقائلة بفصل الدين عن السياسة. وقد انتشر هذا الفكر في ايران، لبنان والخليج مقارناً مع انتشار الاسلام السياسي الشيعي المتمثل بفكرة ولاية الفقيه. وما زالت هناك فئة ناشطة من علماء الدين الشيعة الموالين لمدرسة الخوئي في حوزة قم.
وقد التحق عدد من قادة الحركات الثورية الشيعية المدعومة من قبل الثورة الايرانية خلال السبعينات الى التيار المعتدل بعد تقييم تجربتهم في العمل الجهادي. وقد انتهوا هؤلاء القادة الى مساومات تاريخية مع انظمة الحكم في بلادهم، ومن أبرز هؤلاء هو الشيخ حسن الصفار من القادة الفكريين السابقين لمنظمة حزب الله الحجاز، وآخرون من شيعة السعودية والبحرين. وقد ساعدت القراءة النقدية لظاهرة التشدد الشيعي والسني بعض رجال الدين الشيعة البارزين من الابتعاد عنها والميل نحو تأسيس مشروع مدني ليبرالي شيعي ومن ابرز هؤلاء آية الله السيد حسين الصدر والسيد اياد جمال الدين من العراق، والسيد هاني فحص والسيد محمدحسن الامين من لبنان. هذا مضافا الى عدد كبير من رجال الدين والقادة الاجتماعيين الشيعة في ايران الذين قد انفصلوا عن مشروع الاسلام السياسي الشيعي متجهين نحو تاسيس مشاريع مدنية معتدلة، من امثال: محسن كديور، محمدجواد اكبرين، ياسر ميردامادي وغيرهم.
وقد أدى المنهج الاعتدالي الى التقارب بين طبقة رجال الدين المعتدلين والعلمانيين الشيعة ضمن جبهة مدنية واسعة تجمع الصوت الغائب الشيعي الذي أصبح مكبوتا تحت مطرقة السلفية السنية والشيعية المتشددة. وتتشكل طبقة العلمانيين الشيعة من عدد كبير من الأكاديميين والباحثين والاعلاميين الشيعة ذات الخلفيات الاسلامية او اليسارية غالباً والذين تحولوا منها الى المنهج الليبرالي. ومن ابرزهم الدكتور محمد محفوظ، الدكتور توفيق السيف وفؤاد ابراهيم من السعودية، ونادر كاظم من البحرين، والدكتور سعود المولى من لبنان. وقد تخصصوا هؤلاء في دراسة ظواهر التشدد الديني في مجتمعاتهم ومسائل الهوية وكيفية اندماج الشيعة ضمن خطاب المواطنة في بلادهم.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.