ثلاثة استحقاقات ترفع من حرارة شهر كانون الثاني/يناير لبنانياً، وقد تجعل منه شهر الحماوة السياسية الأشدّ أو حتى المدخل إلى سنة حافلة بموجات السخونة على مختلف الأصعدة.
الاستحقاق الأول سياسي دستوري داخلي. عنوانه دخول البلاد في مرحلة العدّ التنازلي لتشكيل حكومة جديدة، بعد أكثر من تسعة أشهر على استقالة رئيس الحكومة السابقة نجيب ميقاتي. ذلك أن كلّ الأجواء السياسيّة تشير إلى أن رئيس الجمهوريّة ميشال سليمان والنائب تمام سلام المكلّف تشكيل حكومة جديدة، يتّجهان نحو إعلان تركيبة حكوميّة في خلال شهر كانون الثاني/يناير على أبعد تقدير. علماً أن ثمة اعتقاداً بأن المهل الدستوريّة والاستحقاقات المقبلة تفرض ذلك. فالحكومة الجديدة أمامها بحسب الدستور، 30 يوماً لنيل ثقة المجلس النيابي وإلا اعتبرت مستقيلة بدورها. ما يعني أنه إذا وُلدت تلك الحكومة أواخر هذا الشهر، لن تكون مكتملة الصلاحيات حتى مطلع آذار/مارس المقبل، فيما المهلة الدستوريّة لانتخاب رئيس للجمهوريّة تبدأ في 25 آذار/مارس. وبالتالي فإن أي تأخير في هذا الجدول الزمني، سيدفع إلى مزيد من التعقيدات ويهدّد بتداعيات سياسيّة ودستوريّة أكثر سلبيّة.
غير أن الظاهر من جهة أخرى، أن أي اتفاق على تشكيل هذه الحكومة لم يتمّ بعد بين فريقَي الصراع الأساسيَّين في البلاد. هكذا تصير حتميّة إجراء هذا الأمر مرتبطة بحتميّة مقابلة، وهي تسبّبه بمواجهة جديدة بين طرفَي الأزمة، ما ينذر بتصعيد سياسي في الأسابيع الثلاثة المقبلة في بيروت. تصعيد يقال أنه بدأ فعلاً، بدليل ما تردّد عن تأجيل إعلان الحكومة الجديدة بعد التفجير الانتحاري الأخير في الضاحية الجنوبيّة يوم الثاني من كانون الثاني/يناير الجاري. وهو ما يؤكّد نظريّة الترابط السببي المتبادل بين الاستحقاقات السياسيّة والتفجيرات الأمنيّة.
الاستحقاق الثاني قضائي أمني، ببعدَين داخلي وخارجي، وعنوانه انطلاق عمل المحكمة الدوليّة الخاصة بلبنان في لاهاي منتصف هذا الشهر أيضاً. فالمحكمة التي قامت بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي قبل أكثر من أربعة أعوام، تحوّلت منذ ولادتها مادة انقسام إضافي بين اللبنانيّين خصوصاً في ظلّ مقاربة كل فريق لبناني لها من وجهة نظر مختلفة. فثمّة من لا يرى فيها إلا إدانة لحزب الله الذي اتهمت تلك المحكمة خمسة من عناصره بالتورّط في اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري. كذلك، ثمّة من لا يرى فيها إلا تلاعباً دولياً ملفقاً في الواقع اللبناني، بدليل تورّط إجراءات التحقيق الدولي في قضيّة "شهود زور" كانوا قد أدلوا بإفادات كاذبة مهّدت لقيام المحكمة وأدّت إلى اعتقال أشخاص لبنانيّين تبيّن لاحقاً عدم وجود أي دليل على تورّطهم في الجريمة. في ظلّ هاتَين القراءتَين المتناقضتَين، تشكّل المحكمة موعداً جديداً لتظهير الانقسام اللبناني. لكن الأخطر هو هذا الانطباع القائم منذ أعوام، حول أن كلّ تطوّر في مسار عمل هذه الهيئة الدوليّة الخاصة، ارتبط بتصعيد أمني دمويّ خطير. علماً أن فريقَي الصراع حول المحكمة يؤمنان بهذا الانطباع بالذات، وإن كانت لكلّ منهما وجهة نظره حول أسبابه وخلفيته. فالفريق المؤيّد للمحكمة يعتبر أنه كلما تقدّم عمل المحكمة، لجأ خصومها إلى تنفيذ عمليّة اغتيال جديدة للتهويل على عمل المحكمة وتهديد أشخاصها وتحذير المجتمع الدولي القائم خلفها، من استمرار وظيفتها. أما الفريق المشكّك في المحكمة ونزاهتها، فيرى أن ثمّة جهات دوليّة كبرى تعمد عشيّة كلّ استحقاق إلى تنفيذ اغتيال جديد، لتبرير قيام المحكمة وتسريع خطاها وجعلها أمراً واقعاً وضرورياً وإسكات أي صوت منتقد لانتهاكاتها وتركيباتها غير القانونيّة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.