حين تمشي في الضاحية الجنوبيّة لبيروت وهي المعقل الرئيس لحزب الله، تصادفك صور عديدة لشهداء الحزب ومجالس عزاء لهم ولافتات كثيرة تتضمّن شعارات ومضامين مرتبطة بالجهاد المقدّس في سوريا. ويدهشك العدد الكبير من المظاهر والعناصر الأمنيّة المنتشرة في كلّ نواحيها، كأنك تقيم في معسكر كبير لا يبعد عن جبهات القتال إلا مسافة صغيرة. فالجميع يتحدّثون عن أحداث القتال القائم، والكلّ مستعدون لأي تطوّر جديد يمكن أن يحدث في الأزمة الطائفيّة المتفاقمة وما تخلّفه في داخل لبنان.
واختلاف نمط الحياة يظهر بشكل بارز في الضاحية مقارنة بالمناطق الأخرى من بيروت. فالفقر ينتشر وكذلك المشاكل الاقتصاديّة بشكل واضح في نواحي الضاحية بغالبيّتها. أيضاً، الهويّة الدينيّة المتجليّة في المعالم المعماريّة والعادات الاجتماعيّة تميّز هذه المنطقة عن غيرها في بيروت، بشكل بارز. ومن حيث الانتماء الاجتماعي، ثمّة دلالات لغويّة وثقافيّة واضحة تبيّن الجذور الريفيّة للأغلبيّة التي تقطن هذه المنطقة، والتي نزحت إليها من قرى الجنوب اللبناني في العقود الأخيرة من القرن المنصرم بسبب الاحتلال الإسرائيلي والحرمان الاقتصادي في الجنوب.
وعلى الرغم من سيطرة الهويّة الدينيّة في الضاحية، ما من نزوع بارز نحو التشدّد الديني في السلوك الفردي للأشخاص، بل على العكس تلاحظ قابليّة كبيرة للتسامح واحتراماً للسلوك الفردي والمعتقد الديني. وتتمتّع النساء بكامل حريّتهنّ بخصوص ارتداء الحجاب والزيّ الشخصي. وهناك أيضاً، يسجّل حضور لعوائل مسيحيّة تتمتّع بكامل حريّتها في ما يتعلّق بممارسة شعائرها الدينيّة. وقد التقى "المونيتور" عدداً من تلك العوائل المسيحيّة في الضاحية للاستفسار عن وضعها هناك. في الذاكرة المسيحيّة، ما زالت صورة الضاحية هي تلك التي كانت في أحد الأيام ذات أغلبيّة مسيحيّة لكن الحروب الداخليّة التي امتدّت طوال سنوات عدّة أجبرت أغلبيّة المسيحيّين على تركها. وهكذا أصبحوا أقليّة ضمن أغلبيّة شيعيّة. لكن على الرغم من ذلك، ثمّة حالة من الرضا العام وعدم الشعور بالتشنّج، بسبب عدم وجود تضييق ديني أو اجتماعي عليهم. من جهة أخرى، فإن معاملة عناصر حزب الله الطيّبة للمسيحيّين في لبنان وسوريا في مقابل الصورة القمعيّة للسلفيّين، قد ساعدت في التقريب ما بين الشيعة والمسيحيّين في لبنان بشكل عام.
إن التسامح الديني في الضاحية لا يعني طبعاً عدم ملاحظة خصوصيّتها الثقافيّة. فهناك، ما من محلات لبيع الخمور ولا حانات أو ملاهي أو مراقص، كما هي الحال في المناطق الأخرى من بيروت. ثمّة التزام قانوني غير مصرّح به، بعدم إجازة ممارسة أي عمل اقتصادي مخالف للشريعة الإسلاميّة. لذلك تشاهد أعداد غير قليلة من شباب الضاحية ينتقلون منها إلى الحمراء وجونية والمناطق الأخرى لقضاء ليالي العطل وللاستمتاع بالحانات والمراقص والملاهي الساخنة فيها.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.