أكثر من إشارة قاتمة سُجّلت في الأيام الأخيرة حيال مأساة خطف مطرانَين على أيدي الجماعات المسلّحة في سوريا. قصّة الخطف الأكثر قساوة في الحرب السوريّة الراهنة بدأت في 22 نيسان/أبريل الماضي، يوم تردّد أن مسلّحين قاموا بالقرب من حلب باختطاف كلّ من يوحنا ابراهيم أسقف حلب للسريان الأرثوذكس وبولس اليازجي أسقف حلب للروم الأرثوذكس. والأخير هو شقيق بطريرك الروم الأرثوذكس يوحنا العاشر اليازجي. بعد ساعات على الحادثة قيل إن الخاطفين مجموعة مسلّحة من الجهاديّين الشيشان. حتى أن المعارض السوري ميشال كيلو كتب عن الموضوع في جريدة "السفير" اللبنانيّة في 27 نيسان/أبريل، أن الأسقفَين "بعد يوم ونيّف تم إطلاق سراحهما، فاعتقلتهما على بعد كيلومترات قليلة من مكان الإمارة الأمنيّة الأولى، قوات إمارة أمنيّة ثانية". ومنذ ذلك الحين اختفت آثار الأسقفَين ولم يظهر أيّ خبر عنهما. مسؤول لبناني معروف بعلاقاته الوثيقة بالسلطات السوريّة، كان قد زار دمشق قبل أيام، نقل لموقعنا أجواء متشائمة من العاصمة السوريّة حيال مصير المطرانَين.
يشرح المسؤول نفسه أن ثمّة أنماطاً للخطف المسلّح في سوريا باتت واضحة، بالنسبة إلى متابعي هذه الملفات من المسؤولين السوريّين. نمط أوّل من الخطف، هدفه مالي ابتزازي. يختفي رجل غنيّ أو يظنّه الخاطفون كذلك، ثم يتّصلون بأهله طالبين فدية لإطلاق سراحه. يبدأ التفاوض برقم مرتفع، ثم ينخفض عند البحث الجدّي إلى ما يوازي بضعة آلاف من الدولارات. تُدفع الفدية ويُطلق سراح المخطوف ويتوارى الفاعلون وتُقفل القضيّة.
نمط آخر، هو أقرب إلى الخطف السياسي، لكن ببعد داخلي محدود. وعلى سبيل المثال حادثة اختطاف 11 لبنانياً في منطقة أعزاز القريبة من الحدود السوريّة التركيّة. كان ذلك يوم 22 أيار/مايو 2012، وكانت قافلة من المواطنين اللبنانيّين الشيعة تعود براً من زيارة حجّ إلى الأماكن الشيعيّة المقدّسة في إيران. اعترضها مسلحون معارضون للحكم السوري بعد كيلومترات قليلة من دخولها الأراضي السوريّة. بدا أن المسلّحين على علم بكامل التفاصيل حول ركاب القافلة وطريق سيرها وتوقيته. أخلوا سبيل النساء والأطفال، واحتجزوا الرجال منهم. أما السبب المعلن فكان اتهام المخطوفين بأنهم من أنصار "حزب الله" اللبناني المؤيّد لنظام بشار الأسد.
في هذا النمط من "الخطف السياسي"، لم يلبث الخاطفون أن أطلّوا علناً وعبر وسائل الإعلام كاشفين عن هويّاتهم وعن أسمائهم وكذلك عن مطالبهم "السياسيّة" لتحرير الخاطفين. حتى أن تلك الحادثة لم تلبث أن تحوّلت بعد أشهر نوعاً غير مسبوق من حوادث الحجز المسلّح لحريّة الأفراد. فقد سمح الخاطفون لأهالي بعض المخطوفين وكذلك لبعض وسائل الإعلام التلفزيونيّة، بزيارة المحتجزين لديهم. فشهد لبنان على مدى أيام نوعاً جديداً مبتكراً من "تلفزيون الواقع" أبطاله خاطفون ومخطوفون، مع حلقات يوميّة مشوّقة رافقتها كلّ عوامل إثارة هذا النوع من التصوير. حتى أن البعض تعاطف مع الخاطفين، في استعارة لما يُعرف بـ"ستوكهولم سِندروم"، فيما راحت وسائل الإعلام تتنافس على هذه التغطية... المهمّ أنه في هذا النمط الآخر من الخطف السوري، كانت هويّات الأطراف معروفة ومكشوفة وتميل أحياناً حتى إلى الاستعراضيّة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.