تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل يكون الشباب حصان الشرق الأوسط الرابح في أوسكار 2019؟

تشهد منطقة الشرق الأوسط حاليّاً حراكاً سينمائيّاً شبابيّاً غير مسبوق، أدّى إلى وصول صنّاع السينما الشباب إلى العديد من المهرجانات العالميّة وارتفاع سقف توقّعات بعضهم بالقدرة على المنافسة على جائزة الأوسكار، ويتوقّع نقّاد أن ينجح الشباب، فيما فشل فيه العديد من صنّاع السينما الشرق أوسطيّين الكبار، بينما يتوقّع البعض الآخر أن يقابلوا المصير نفسه، نظراً لاختلاف طبيعة الأفلام عن معايير الفوز بالأوسكار.
71st Cannes Film Festival - photocall for the film "Capernaum" (Capharnaum) in competition - Cannes, France May 18, 2018. Director Nadine Labaki. REUTERS/Stephane Mahe - UP1EE5I0U6PSU

القاهرة – تحضّر بلدان الشرق الأوسط، من المغرب إلى إيران مرورا بتونس والجزائر ومصر ولبنان وإسرائل وتركيا، مرشحيها لجوائز الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية، آملين أن يحضر مخرجوهم الشباب الجوائز هذه المرة.

قال السعوديّ اسماعيل سونا، وهو مؤسّس المدوّنة السينمائيّة التي تحمل اسمه نفسه، لـ"المونيتور": إنّ جرأة الطرح لدى صنّاع السينما الشباب هي التي تمكّنهم من تحقيق التميّز في العصر الحاليّ وتنفيذ أعمال سينمائيّة متفرّدة في الرؤية.

ورأى اسماعيل سونا أنّ الموسم الحالي لن يكون استثنائيّاً في حضور الشباب، وأنّه بداية لما أسماه بـ"ثورة الشباب في السينما"، لا سيما إذا خرج المخرجون الشباب بعدد قليل من الجوائز الدولية في العام الحالي أو التالي.

كان مفاجئاً أن يشارك فيلمان من الوطن العربيّ في المسابقة الرسميّة للدورة الـ71 لمهرجان "كان" السينمائيّ الدوليّ في أيّار/مايو من عام 2018، هما: فيلما "كفرناحوم" للمخرجة والمؤلّفة اللبنانيّة نادين لبكي و"يوم الدين" للمخرّج والمؤلّف المصريّ أبو بكر شوقي، وربّما رفعت مشاركة الفيلمين العربيّين سقف توقّعات صنّاع السينما العرب والشرق أوسطيّين بوجه عام في تحقيق إنجازات عالميّة مثل الفوز بجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبيّ، ورشّحت كلّ من مصر في 13 أيلول/سبتمبر، ولبنان في 19 أيلول/سبتمبر الفيلمين السابقين بشكل رسميّ للجنة الأوسكار.

ويغلب على الفيلمين سيطرة الطابع الشبابيّ والاعتماد على الهواة وصنّاع السينما صغار السنّ في الإخراج والتأليف والبطولة، فرغم أنّ نادين لبكي هي صاحبة 4 تجارب في التأليف والإخراج، إلاّ أنّها ما زالت لم تتجاوز عامها الـ45. كما أنّ "كفرناحوم" شارك في تأليفه الكاتبان الشابان جهاد حجيلي وميشال كسرواني، وأدّى بطولته عدد من الممثّلين الهواة الذين يظهرون على الشاشة الفضيّة للمرّة الأولى، ومنهم: كوثر الحداد وفادي يوسف، ويحكي الفيلم قصة زين، طفل في الثانية عشر من عمره، يقاضي والديه بتهمة الإتيان به إلى الحياة في عالم مليء بالمعاناة والألم.

الأمر ذاته بالنّسبة إلى "يوم الدين"، فهو من إخراج وتأليف أبو بكر شوقي، الذي يبلغ من العمر 33 عاماً، وهو من بطولة راضي جمال، الذي يظهر على الشاشة الفضيّة للمرّة الأولى، والطفل أحمد عبد الحافظ والممثّلة الشابّة شهيرة فهمي، وتدور قصة الفيلم في إطار تراجيدي عن أزمات التهميش في مصر وعلاقة صداقة بين مهمشين؛ الأول هو متعافي من مرض الجذام بعد أن شوه أجزاء من جسمه والثاني طفل نوبي، ويخوضان معا رحلة للبحث عن جذورهما.

وليس "يوم الدين" أو "كفرناحوم" وحدهما من اعتمدا على الشباب والوجوه الجديدة، بل إنّ ترشيحات الوطن العربيّ والشرق الأوسط في غالبيـّتها غلب عليها الطابع الشبابيّ.

ففي أيلول/سبتمبر من عام 2018، رشّحت الجزائر فيلم "إلى آخر الزمان" من إخراج وتأليف ياسمين شويخ البالغة من العمر 36 عاماً، وتدور أحداث الفيلم حول جوهر، سيدة تحزن لفراق زوجها وتعتاد زيارة مقبرته، إلا إنها تقع لاحقا في قصة حب مع علي، حفار القبور وحارسها. ورشّحت تونس فيلم "على كف عفريت" من إخراج وتأليف كوثر بن هنية البالغة من العمر 41 عاماً، والفيلم مستوحى من قصة حقيقية عن جرائم الاغتصاب والاعتداءات الجنسية في السجون التونسية قبل ثورة 17 ديسمبر 2010 والمعروفة باسم ثورة "الحرية والكرامة".

واختارت إسرائيل فيلم "صانع الكعك" (The CakeMaker) من تأليف وإخراج Ofir Raul Graizer الذي يبلغ من العمر 37 عاماً، وتدور أحداث الفيلم عن علاقة الحب بين توماس، شاب ألماني يعمل خبازا، وبين رجل إسرائيلي متزوج اعتاد زيارة برلين لمتابعة بعض أعماله، وعندما يموت ذلك الرجل في حادث سيارة، يغادر توماس برلين إلى القدس في محاولة لمعرفة الإجابة عن العديد من التساؤلات لديه حول وفاة حبيبه الإسرائيلي.

كما يمثّل تركيا فيلم "شجرة الكمثرة البريّة" (The Wild Pear Tree) من تأليف إبرو سيلان وتبلغ من العمر 42 عاماً وأكين أكسو في تجربته التأليفيّة الأولى، ويحكي الفيلم عن شاب حديث التخرج يتمنى أن يكون كاتبا، ويعود إلى قريته الريفية بعد إتمام دراسته الجامعية ولكن بلا وظيفة، ويحاول أن يقرر من قريته كيف يمكن أن يبدأ حياته العملية. ويمثّل إيران فيلم "بلا تاريخ، بلا توقيع" (No Date, No Sign) من إخراج فاهيد جاليفاند البالغ من العمر 42 عاماً وتأليفه هو وكلّ من المؤلّف العشرينيّ علي زارنجار في تجربته التأليفيّة الثانية بعد فيلمه الشهير "الأربعاء، 9 مايو" (Wednesday,9 May)، ويروي الفيلم واقعة وفاة طفل في الثامنة من عمره وكيف تسبب الكبار المحيطين به في وفاته.

لم يقتصر تواجد الشباب في مشهد الأفلام الشرق أوسطية المرشحة إلى جائزة الأوسكار على كونهم مخرجين أو مؤلفين، بل يبدو واضحا مما سبق ذكره عن قصص تلك الأفلام إنها مستوحاه من معاناة الشباب وصغار السن بوجه عام. فأفلام لبنان وإيران ومصر تلقي الضوء على التهميش والمعاناة التي يواجهها بعض الأطفال في الشرق الأوسط، بينما تلقي أفلام إسرائيل وتونس وتركيا الضوء على عدد من القضايا الجنسية والأفكار التمردية والأحلام المحبطة للشباب في المنطقة.

وبما أن أغلب الأعمال مستوحاة من حياة الشباب في الشرق الأوسط، فقد قدّمت تلك الأعمال السابقة عدد من الوجوه الشابّة الجديدة في أدوار البطولة مثل مريم الفرجاني وغانم زريلي من تونس، إضافة إلى التركيّين هازار ايرجوشلو ودوجو ديمركول، والإيرانيّين إمير أغايي وذكيّة بهبهاني، وسارة بيرليس في بطولة الفيلم المغربيّ Burnout المرشّح رسميّاً من قبل المغرب لجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبيّ، فضلاً عن بعض النجوم الشباب مثل مرجانة علوي وأنس الباز في بطولة الفيلم المغربيّ، وتيم كالخوف وسارة أدلر في بطولة فيلم "صانع الكعك".

تجدد الرؤية

وتحدّث الناقد الفنيّ نادر عدلي لـ"المونيتور" عن صناعة الشباب للمشهد السينمائيّ، لافتاً إلى أنّ هناك سببين وراء تلك الظاهرة، الأوّل هو تجدّد الرؤية لدى الشباب مقارنة بالمخرجين والمؤلفّين والممثلين كبار السنّ، موضحاً أنّ الشباب أكثر قدرة على متابعة الحركة الفنيّة في كلّ بقاع العالم من خلال الإنترنت والاستفادة من تطوّرات تلك الحركة.

أمّا عن السبب الثاني، فقال: "الرغبة في التحدّي وإثبات النفس والنجاح في ظلّ العديد من الإحباطات، فأيّ مخرج أو مؤلّف أو ممثّل شاب يواجه الإحباطات ممّن لا يؤمنون به في بداية حياته، ويكون الدافع لديه لإثبات نفسه أقوى وأكبر، الأمر الذي يدفعه إلى صناعة أفلام أكثر تأثيراً".

هامش الحريات

ولفت سونا إلى إن اتّساع هامش الحريّات، في المجتمعات العربيّة وربّما في الشرق الأوسط عموماً بعد ثورات الربيع العربيّ، كان أحد الأسباب وراء نمو دور الشباب في مشهد الأعمال الشرق أوسطية المرشحة لجائزة الأوسكار.

موسم استثنائي

وقال جابر الغول الناقد السينمائيّ السوريّ في مدوّنة "مجلّة السينما" في تصريحاته لـ"المونيتور": من المبكر الحكم باستحواذ الشباب بشكل كامل على الأعمال القادرة على تمثيل دول الشرق الأوسط دوليّاً.

ولفت إلى أنّ الموسم الحاليّ، ربّما يكون استثنائيّاً، مؤكّداً أنّه لا يمكن الحكم بأنّ تجدّد الرؤية هو حكر على الشباب، لأنّ ذلك يتجاهل إنجازات العديد من المخرجين كبار السنّ مثل يوسف شاهين وعبّاس كيروستامي وعمر أميرالاي ومحمّد الأخضر - حمينه وهاني أبو أسعد.

القائمة القصيرة

"للوصول إلى القائمة القصيرة للأوسكار حسابات أخرى"، هكذا قالت التركيّة إيليم أتاكاف، وهي محاضرة في الدراسات السينمائيّة بجامعة أنجيليا الشرقيّة بالإمارات العربيّة المتّحدة وصاحبة المدوّنة النقديّة التي تحمل اسمها نفسه، لـ"المونيتور"، وأوضحت أنّ جائزة الأوسكار هي جائزة أميركيّة، وليست دوليّة، كجوائز مهرجان "كان"، وقالت: "لذا، فهي تقيّم الأفلام المرشّحة لجائزة أفضل فيلم أجنبيّ من وجهة النظر الأميركيّة السينمائيّة في الأداء والبناء والطرح".

أضافت: "إنّ الأفلام العربيّة أو الشرق أوسطيّة بغالبيّتها تعتمد على نمط السرد والبناء الكلاسيكيّ المكوّنين من مقدّمة، ثم عقدة وصراع وحلّ. أمّا الأفلام الأميركيّة فتميل إلى أنماط حديثة، ربّما تقدّم طرح العقدة والتوغّل في الصراع مع تقديم الشخصيّات الأساسيّة فيها أثناء تصاعدها، والفيلم الفائز هو دائماً الفيلم الأقرب إلى النمط الأميركيّ في الأداء والبناء والطرح".

أمّا الإيرانيّ باراسكيفي نيزود، صاحب مدوّنة "إمبراطوريّة السينما الإيرانيّة"، فأشار في حديث لـ"المونيتور" إلى أنّه لا يتوقّع فوز أيّ من أفلام الشرق الأوسط المرشّحة للجائزة، واصفاً الجائزة بأنّها جائزة سياسيّة، وتميل إلى تفضيل الأفلام التي تعبّر عن الشرق الأوسط اجتماعيّاً وسياسيّاً من وجهة النظر التي توافق وجهة النظر الأميركيّة.