تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الخلافات الإيديولوجيّة والشخصيّة تحول دون تحالف المعارضة المصريّة

تواجه المعارضة المصريّة تحدّيات مشتركة عدّة، لكنّ ذلك لم يكن دافعاً قويّاً للتحالف أو التنسيق في ما بينها، فجزء من الخلاف أساسه إيديولوجيّ. أمّا الجزء الآخر فيتعلّق بخلافات شخصيّة قديمة بين بعض الفاعلين في قوى المعارضة.
RTX3PE9Q.jpg

القاهرة - أعلنت أحزاب وحركات وشخصيّات سياسيّة مصريّة عدّة، خلال يناير/ كانون الثاني الماضي، مقاطعة الانتخابات الرئاسيّة، احتجاجاً على ما وصفتها بأنّها ممارسات من السلطة الحاكمة "تمنع أيّ منافسة نزيهة" و"أقرب إلى ممارسات الديكتاتوريّات البدائية".، مثل التمديد غير الدستوري لحالة الطوارئ، أو تسخير الإعلام لتشويه كل منافس محتمل.

يتنافس في الانتخابات الرئاسيّة المقبلة الرئيس الحاليّ عبد الفتّاح السيسي مع رئيس حزب الغدّ موسى مصطفى موسى فقط، بعدما انسحب كلّ من أعلنوا نيّتهم الترشّح. ومن المقرّر البدء بالتصويت في الانتخابات منتصف آذار/مارس المقبل، بحسب الجدول الزمنيّ الذي أعلنته "الهيئة الوطنيّة للانتخابات".

تنوّع المقاطعون بين أحزاب قريبة من الإسلاميّين كحزب "مصر القويّة" وأحزاب أخرى ذات توجّه علمانيّ ويساريّ تجتمع في إطار "الحركة المدنيّة الديمقراطيّة"، وهي تكتّل يضمّ 8 أحزاب وحركات سياسيّة ليبراليّة ويساريّة مثل "6 أبريل" و"الاشتراكيّين الثوريّين".

ولم يصدر "التحالف الوطنيّ لدعم الشرعيّة"، الذي يضمّ جماعة "الإخوان المسلمين" وأحزاباً أخرى ذات خلفيّة إسلاميّة إلى الآن أيّ بيان يخصّ الانتخابات الرئاسيّة، ومن غير المتوقّع أن يصدر مثل هذا البيان، إذ أنّ هذا التحالف يرفض الاعتراف بالنظام السياسيّ القائم منذ الإطاحة بالرئيس الأسبق محمّد مرسي في تمّوز/يوليو من عام 2013، ويكتفي بالمقاطعة من دون التعليق على الأحداث.

رغم اتفاق هذه القوى السياسيّة على معارضة السلطة الحاكمة، إلاّ أنّه لا يوجد تحالف أو تنسيق في ما بينها، من أجل تعزيز مواقفها المشتركة من السلطة. ولقد ظهر هذا بوضوح في المؤتمر الصحافيّ، الذي عقدته "الحركة المدنيّة الديمقراطيّة" من أجل إعلان مقاطعتها للانتخابات، إذ لم يدع إلى المشاركة في المؤتمر حزب "مصر القويّة"، إضافة إلى حركتيّ "6 أبريل" و"الاشتراكيّين الثوريّين" والجماعات والأحزاب المشاركة في "التحالف الوطنيّ لدعم الشرعيّة" أو التي كانت مشاركة فيه.

وتختلف هذه القوى السياسية فيما بينها على أساس أيدولوجي، بجانب الموقف من النظام الحاكم، فبينما يرفض أعضاء "تحالف الشرعية" الاعتراف بالسلطة الحاكمة والتعامل معها، تعترف بها باقي الأطراف وإن رفضت ممارساتها.

وفي هذا السياق، قال مسؤول الملف السياسيّ في حزب "العيش والحرية" أحد مكوّنات "الحركة المدنيّة الديمقراطية" أكرم إسماعيل لـ"المونيتور": "لدى الحركة موقف مبدئيّ برفض التحالف أو التنسيق مع الجماعات والأحزاب المشاركة في التحالف الوطنيّ لدعم الشرعيّة أو التي كانت مشاركة فيه. كما ترفض التعاون مع أيّ حزب يمينيّ حتّى لو كان خارج تحالف الشرعيّة".

وعن الموقف من حزب "مصر القويّة"، قال أكرم إسماعيل: "هناك خلاف داخل الحركة المدنيّة الديمقراطيّة على الموقف من حزب مصر القويّة، وهذا ناتج من تقديرات سياسيّة محافظة وضيّقة لدى مكوّنات في الحركة المدنيّة، إذ تنظر إلى حزب مصر القويّة بعين الريبة بسبب رئيسه عبد المنعم أبو الفتّوح، الذي كان قياديّاً في جماعة الإخوان حتّى ثورة كانون الثاني/يناير. وكذلك، بسبب خلفيّة بعض أعضائه الإسلاميّة، ولكن هناك مكوّنات أخرى داخل الحركة المدنيّة ترى أنّ مواقف حزب مصر القويّة ديمقراطيّة أصيلة لا غبار عليها. وبالتّالي، لا مانع من التحالف معه".

أضاف: "كذلك، فإنّ الحركة المدنيّة منقسمة في ما بينها على كيفيّة التعامل مع 6 أبريل والإشتراكيّين الثوريّين، إذ يرى بعض أعضائها أنّ الحركتين متصالحتان ومتعاطفتان مع الإخوان المسلمين، وتقعان داخل دوائر تأثير الإسلاميّين، ولكن هناك مكوّنات أخرى في الحركة المدنيّة تعتقد أن هذا الأمر غير حقيقيّ إلى حدّ كبير، وأنّ هذه التصنيفات تجاوزها الوقت".

من جهته، رأى عضو المكتب السياسيّ لحزب "الوسط" الذي كان عضواً في "تحالف دعم الشرعيّة" حتّى آب/أغسطس من عام 2014 مهنّد حامد شادي في تصريح لـ"المونيتور" أنّ "قوى المعارضة المصريّة أضاعت على نفسها فرصة ذهبيّة للتنسيق والتحالف ضد النظام. في إحدى أسوأ مراحلها على الإطلاق. كلّ القوى السياسيّة تضطّهد وتقمع ويعتقل أعضاؤها، وهناك انسداد في المجال العام. ورغم ذلك، نجد قوى تضع شروطاً ومعايير وحدوداً من أجل مجرّد التنسيق مع شركاء العمل الوطنيّ الآخرين، مع العلم بأنّنا نرحّب بالتحالف والتنسيق مع الجميع من دون شروط".

أضاف: "إنّ جزءاً من الأزمة يتعلّق بالمشهد العام المسمّم بالعنصريّة والتفرقة والانقسام المجتمعيّ الذي تغذّيه السلطة ويرتدّ على القوى السياسيّة ويؤدّي إلى انقسامها وممارستها العنصريّة ضدّ بعضها. أمّا الجزء الآخر من الأزمة فيتعلّق ببعض النافذين في القوى السياسيّة الذين يقفون عثرة أمام التقارب بين الأحزاب والحركات بسبب خلافات شخصيّة، وهذا واقع يحدث للأسف".

أمّا نائب رئيس حزب "مصر القويّة" محمّد القصاص فقال في تصريح لـ"المونيتور": "إنّ الخلاف بين قوى المعارضة حاليّاً هو خلاف إيديولوجيّ، ولكن المفروض في لحظات مفصليّة كالتي تعيشها مصر أن يتمّ تجاوز هذا الخلاف الإيديولوجيّ والعمل في جبهة موحّدة. ومن زاوية أخرى، إنّ جزءاً من الخلاف بين المعارضة المصريّة يرتبط بوجود خلافات قديمة بين بعض الفاعلين السياسيّين الموجودين في الأحزاب والحركات، الأمر الذي يؤدّي إلى إعاقة عمليّة التحالف".

وبحسب إسماعيل، فـإنّ "الحركة المدنيّة الديمقراطيّة" لديها قاعدة – لم تفعّل بشكل كامل إلى الآن للتحالف أو التنسيق مع أيّ كيان سياسيّ، وهي "ألا يكون محسوباً على نظام مبارك وشبكات نظامه، وألاّ يكون محسوباً أيضاً على جماعة الإخوان المسلمين وتحالف دعم الشرعيّة أو قريب منهما".

لا يبدو أنّ القوى السياسيّة الإسلاميّة أو القريبة منها لديها مثل هذه الشروط، فجماعة "الإخوان المسلمين" دعت أكثر من مرّة، وكان آخرها في ذكرى ثورة 25 كانون الثاني/يناير الماضية، إلى "وحدة الصفّ الثوريّ على قاعدة إنهاء الانقلاب". في إشارة إلى إطاحة الجيش بالرئيس الأسبق محمد مرسي، في يوليو/ تموز 2013، إذ ما زالت الجماعة تطالب جميع القوى السياسية بالتحالف معها لإنهاء هذا "الانقلاب".

وأشار مهنّد حامد شادي إلى أنّ "حزبه يرحّب بالتحالف والتنسيق مع الجميع من دون شروط".

وكذلك، قال محمّد القصاص: "إنّ حزب مصر القويّة لا يمانع أن يتعاون أو يتحالف مع أيّ حزب سياسيّ، شرط ألاّ يكون مؤيّداً للنظام الحاليّ بأيّ شكل من الأشكال، وأن يكون حزباً رسميّاً وقانونيّاً وليس تنظيماً عقائديّاً أو واجهة لتنظيم عقائديّ غير قانوني، وأن يعمل من داخل مصر لا من خارجها. وبالتّالي، فالحزب لا مانع لديه في أن يتعاون مع أحزاب إسلاميّة أو يسارية أو علمانية، طالما تعمل وفق هذه الشروط".

ما سبق ذكره من جميع الأطراف، يوضح أن معارضة النظام الحاكم لا تكفي فقط لتكون أساسًا لتحالف القوى السياسية المصرية المعارضة على اختلاف أيدلوجياتها، وأن هناك ميراث من العداء والمخاوف لم تستطع أغلب هذه القوى تجاوزه. بالتالي من غير المتوقع أن نرى جبهة واحدة تضم جميع أطياف المعارضة على الأقل على المدى القصير.

More from Karim Assaad

Recommended Articles