تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

أحلام إسطبل عنتر... مدرسة مصريّة تدرّب الأطفال مهنيّاً بعد يومهم الدراسيّ

وسط عربات الكارو المتراصّة في جوار بعضها، وصهيل الخيول المربوطة فى حلقات سور إسطبل عنتر، ترتفع قامة مدرسة أحلام إسطبل عنتر والتى اصبحت بالعام الدراسي الجاري مدرسة تربويّة نهاراً ومهنيّة ليلاً بدلاً من كونها مدرسة تربوية فقط ، وتمتدّ المدرسة على ثلاثة طوابق، يتعلّم فيها الطلّاب كلّ المهن اليدويّة، بين تصنيع السجّاد والخزف والشمع، ولا صوت فيها يعلو على صوت ماكينات العمل وحركة الطلّاب.
20729646_680315358834740_3194622705178536000_n.jpg

وسط عربات الكارو المتراصّة في جوار بعضها، وصهيل الخيول المربوطة فى حلقات سور إسطبل عنتر، ترتفع قامة مدرسة أحلام إسطبل عنتر والتى اصبحت بالعام الدراسي الجاري مدرسة تربويّة نهاراً ومهنيّة ليلاً بدلاً من كونها مدرسة تربوية فقط ، وتمتدّ المدرسة على ثلاثة طوابق، يتعلّم فيها الطلّاب كلّ المهن اليدويّة، بين تصنيع السجّاد والخزف والشمع، ولا صوت فيها يعلو على صوت ماكينات العمل وحركة الطلّاب.

"علّمني الصيد بدل أن تعطيني سمكة"، كان ذلك شعار المدرسة التى تقع في حيّ مصر القديمة، والتى سمّيت على اسم المنطقة التى تقع فيها، وهي منطقة إسطبل عنتر، ويقطن فيها أكثر من ألف أسرة، وسط منازل متهالكة وآلاف "العشش" السكنيّة ينتظر سكّانها سقوطها بين حين وآخر، وشوارع أغرقتها المياه التى فاضت من خزّانات الصرف الصحّىّ العشوائيّة التى تخترق أحياناً سور المدرسة. فالمنطقة مبنيّة بالكامل على حافّة الجبل، والبيوت جدرانها متصدّعة، أسقفها من خشب تتساقط منها الأتربة، كما تسقط صخرة من حين إلى آخر على أحد المنازل الكائنة فيها.

تقول مديرة مدرسة أحلام إسطبل عنتر أميرة حمادة إنّ المدرسة هي الوحيدة في المنطقة، وأتت نتاج المجهود الذاتيّ بعد تكفّل جمعيّة صحبة خير الخيريّة بها، بعد تسرّب أطفال المنطقة من التعليم، نظراً إلى عدم وجود مدارس في المنطقة، وبعد المدارس في المناطق المحيطة ، حيث تبعد أقرب مدرسة 10 كيلو مترات.

وعن الأسباب الرئيسيّة وراء فكرة إنشاء مدرسة تعليميّة مهنيّة في منطقة إسطبل عنتر، قالت حمادة فى حديثها إلى "المونيتور" إنّ "الوزارة لم توفّر أيّ مدارس فى المنطقة، ولا تعطي أيّ تصريحات لبناء مدارس تعليميّة، مبرّرة ذلك بعدم وجود إمكانات مادّيّة في الوزارة لتوفير مدرّسين برواتب، وتوفير طبعات كتب إضافيّة".

وعن عدم توافر كافة الامكانيات للمدارس المجتمعية والمدارس التى يتم انشأها بالمجهود الذاتي فى المناطق الشعبية تقول ماجدة نصر عضو لجنة التعليم بمجلس النواب ، فى تصريح هاتفي لـ"المونيتور" ان هناك سببين رئيسين وهما قلة الموازنة الخاصة بالتعليم حيث انها تقل كل عام عن ما سبق ففي العام الماضي 2017-2018 كانت ميزانية التعليم المفترضة هي 130 مليار جنية بينما ما تسلم فعليا هو 80 مليار فقط ،اما عن السبب الثاني فهو التعقيدات في الاجراءات الحكومية ، وبطئ الاجراءات الروتينيه الموازانات القليلة ، فكان من المفترض ان يتم بناء 30 ألف فصل مدرسي على مستوى الجمهورية خلال عام 2017 ولكن حتي الان ونحن في الشهر الثاني في عام 2018 لم يتم بناء فصل واحد بسبب البيروقراطية في اتخاذ القرارات وتنفيذ الاجراءات .

وعن نظام المدرسة التي أعادت الحياة إلى المنطقة، أوضحت حمادة أنّ المدرسة تعمل من الساعة الثامنة صباحاً وحتّى الخامسة عصراً بنظام الفترتين، حيث يدرس نصف الطلّاب فى الفترة الصباحيّة التى تبدأ عند الساعة الثامنة وتنتهي عند الساعة الثانية عشرة ظهراً فى القسم التربويّ، والنصف الآخر يدرس فى القسم المهنيّ، ثمّ يتبادل القسمان فى الفترة الثانية التى تبدأ بعد الغداء عند الساعة الواحدة ظهراً.

تقول حمادة إنّ المدرسة تقبل الأطفال من كلّ الأعمار من سنّ الـ6 سنوات وحتّى الـ19 سنة، سواء من الطلّاب الذين تأخّروا فى الالتحاق بالمدارس، أو المتسرّبين الذين يرغبون فى العودة إليها مرّة أخرى، ويمكن للطلّاب الذين تسرّبوا في الصفّ الثالث أو الرابع ابتدائيّ لبعد مسافة المدارس في المناطق المجاورة او لفقر الاهل وقلة الدخل الالتحاق بصفوف متقدّمة بعد اختبار تحديد مستوى تقوم به المدرسة للطالب، حتّى لا يعود إل الصفّ الأوّل مرّة أخرى.

وخرّجت مدرسة أحلام إسطبل عنتر حتّى الآن دفعتين منذ افتتاحها في عام 2006، حسب ما صرّحت مديرة المدرسة، مؤكّدة أنّ الطلّاب المتخرّجين من المدرسة توقّفوا عند المرحلة الابتدائيّة فقط، نظراً إلى عدم وجود مدارس إعداديّة وثانويّة في المنطقة، وعدم قدرة المدرسة على فتح فصول للإعداديّ والثانويّ نظراً إلى عدم وجود إمكانات مادّيّة وتربويّة، حيث لم توفّر وزارة التربية والتعليم للمدرسة سوى 5 مدرّسين فقط، بينما وفّرت المدرسة 9 مدرّسين آخرين و6 مشرفين تربويّين برواتب رمزية .

وعن تكاليف المدرسة والطلّاب، تؤكّد مديرة المدرسة أنّ الطالب الواحد يكلف المدرسة في المدرسة يتكلّف من 900 إلى 1000 جنيه "56 دولار"، ، نظراً للحالة المادية لأهالى المنطقة ،حيث توفّر له المدرسة الكتب الخارجيّة والكرّاسات والأدوات المدرسيّة والحقيبة المدرسيّة والزيّ المدرسيّ الذي يتمّ تصنيعه بأيدي الطلّاب أنفسهم، في الورش المهنيّة بقيمة جنيهين، موضحة أنّ المدرسة أيضاً تتكفّل بطلبات المدرّسين، من خامات ومعدّات وأدوات تربويّة وماكينات فنّيّة للقسم المهنيّ عن طريق تبرعات من الجمعيات الخيرية ورجال الاعمال.

يقول المدرّب الفنّيّ لفنّ الخزف في المدرسة أحمد حسن لـ"المونيتور" إنّ "طلّاب المدرسة المهنيّة أنتجوا منتجات رائعة واشتركت بها المدرسة في معارض مختلفة اخرها كان معرض للمنتجات اليديوة بشهر يناير الماضي، وقاموا ببيع بعض المنتجات، ولكنّ المدرسة تحتاج إلى فرن كي تستطيع حرق الخزف فيه وتسويته، فبعض المنتجات التى يتعب الطلّاب في تصنيعها، تنكسر عند نقلها من المدرسة التى تقع على الجبل إلى فرن بعيد نسبيّاً عن المدرسة لتسويته فيه، أو عند نقل القطع إلى المعرض نظراً إلى عدم اكتمال تسويتها".

بين جدران ورشة الخزف، يعتلي أحمد مجدي (10 سنوات) ماكينة النحت، التى يستخدمها لتشكيل الأواني الفخّاريّة والخزف، ثمّ يقوم بوضعها على منضدة كبيرة لتجفيفها، بعد تنفيذ أشكال فخّاريّة من صناعته، والتى لا ينقصها سوى الحرق لتكتمل صناعتها، ليضعها إلى جوار أعمال باقي زملائه من المتدرّبين فى الورشة، سواء تصاميمهم الخاصّة، أم أشكال القوالب المقلّدة.

يقول الأسطي محمود، وهو أحد الطلّاب المتخرّجين من المدرسة وأصبح أستاذاً في المدرسة المهنيّة في قسم السجّاد،الذى يتقاضي راتب رمزي مقابل تدريبة للطلاب لـ"المونيتور": "كنت من أوائل الطلّاب الملتحقين بمدرسة أحلام إسطبل عنتر، وكلّ ما تعلّمته أفادني في الحياة وأفادني بعد تخرّجي، حيث أصبحت قادراً على إعالة نفسي وإعالة أسرتي، واشتريت في ما بعد نولاً، ثمّ آخر ، فثالثاً، ليصبح عندي ورشة نول خاصة بي وتكون هي مصدر رزقي ، والنول هو ماكينة تنسج عليها الخيوط لصنع السجّاد يدويّاً، وأصبحت الآن معلّماً في المدرسة في القسم المهنيّ، أقوم بتدريب الطلّاب على صناعة السجّاد".

وعن طريقة تسويق المنتجات التي تنتجها المدرسة، يقول محمود: "نبيع إنتاج ورشة السجّاد إلى أحد المصانع المعروفة، حيث يشتري منّا كلّ الإنتاج، ثمّ نشتري منه الموادّ الخام الجديدة وكلّ الأدوات اللازمة لتصنيع كمّيّة أخرى".

لم تهتمّ مدرسة أحلام إسطبل عنتر فقط بالتعليم والحرفة، بل حاولت حلّ المشاكل النفسيّة التى يمرّ بها الطلّاب، وخلق حالة من التواصل مع أنفسهم، بعدما أثّرت عليهم الأوضاع المتردّية التى يعيشها سكّان منطقة إسطبل عنتر، وسط فقدان كلّ أنواع الحاجات الإنسانيّة والخدمات المدنيّة، حتّى وصل الأمر إلى إصابة العشرات منهم بلدغات الثعابين والعقارب التي تعيش بينهم تحت سقف واحد، بينما أصيب آخر بسقوط حجارة من الجبل فوق رأسه، فيما سقط منزل على أحد سكّانه في إحدى ليالي الشتاء الممطرة، بحسب قول شيماء محمّد وهي إحدى المسؤولات في جمعيّة صحبة الخير المساهمة في بناء المدرسة.

ومنذ عام 2008 تهدد الدولة بإخلاء منطقة اسطبل عنتر بأعتبارها أحد المناطق العشوائية ، بينما يرفض الأهالى منذ ذلك الحين الانتقال من منشأهم إلى مناطق سكانية أخرى لا يقدرون على دفع ايجارها ، وخلال العام الماضي 2017 أصدر رئيس حي مصر القديمة ، محمد زين العابدين قراراً بحصر الأسر المقيمة على حافة الجبل بمنطقة "أسطبل عنتر"، تمهيدًا لنقلهم لحى الأسمرات حفاظا على صحة المواطنين، موضحاً أن حافة الجبل تضم ما يقرب من 1000 أسرة وجميعهم مقيمين فى مساكن خطرة، وسيتم نقلهم ضمن خطة المحافظة لتطوير المناطق العشوائية، مؤكداً أنه أنهى أوراق 100 أسرة ومنتظر انتقالهم لحى الأسمرات. الأمر الذى رفضه أهالى المنطقة، مطالبين بتطوير المنطقة وادخال كافة الخدمات بها بدلا من انتقالهم بمساكن بعيدة بأيجار اعلي.

Start your PRO membership today.

Join the Middle East's top business and policy professionals to access exclusive PRO insights today.

Join Al-Monitor PRO Start with 1-week free trial