تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

قانون عراقيّ يثير غضب اللاّجئين الفلسطينيّين

أصدر العراق قبل أيّام قانوناً يقضي بحرمان اللاّجئين الفلسطينيّين المقيمين فيه من الحقوق والامتيازات الممنوحة لهم في السنوات الماضية، والتي حصلوا عليها في زمن الرئيس السابق صدّام حسين، وسيعاملهم القانون الجديد كأجانب لا يتمتّعون بأيّ امتيازات، ويحرمهم من حقوقهم في التعليم والصحّة والعمل في مؤسّسات الدولة... السطور الآتية تتحدّث عن أسباب إصدار هذا القانون بحقّ الفلسطينيّين، وردود فعلهم عليه، وكيف سيؤثّر عليهم هناك؟
Palestinian people play a game of backgammon at a cafe in the Baladiyat neighbourhood of Baghdad January 30, 2016. Picture taken January 30, 2016.  REUTERS/Khalid al Mousily - GF10000320011

كشف موقع "عربيّ 21" في 20 كانون الأوّل/ديسمبر عن مصادقة الرئيس العراقيّ فؤاد معصوم على القانون رقم 76 الصادر في كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2017، والقاضي بتجريد اللاجئين الفلسطينيّين المقيمين في العراق من حقوقهم، ويضعهم ضمن خانة الأجانب، وأصبح نافذاً بعد نشره في جريدة "الوقائع" العراقيّة بالعدد 4466.

القانون الجديد ألغى القانون رقم 202 لعام 2001، الذي أصدره الرئيس السابق صدّام حسين، وألزم الدولة العراقيّة بمعاملة الفلسطينيّ إسوة بالعراقيّ بكلّ الامتيازات وحقوق المواطنة كالعمل في الدوائر الحكوميّة والتعليم والصحّة والإعفاء الضريبيّ.

وفي هذا السياق، قال الباحث الفلسطينيّ في شؤون اللاّجئين محمّد مشينيش لـ"المونيتور": "إنّ أهمّ إشكاليّات القانون الجديد إلغاؤه للقانون 202 لعام 2001، التي تنصّ على معاملة الفلسطينيّ كالعراقيّ. ولذلك، يزداد قلق الفلسطينيّين على مستقبل من بقي منهم في العراق، فهم يعانون الاضطهاد حين وجد قانون ينصفهم، فكيف الحال وقد تمّ إلغاؤه، مع أنّ القانون الجديد سيحرم المهندس والطبيب والمعلّم الفلسطينيّ من عضويّة النقابات العراقيّة، ومن أراد فتح مشروع تجاري ليعتاش منه سيضطرّ إلى الالتزام بقانون الأجانب الذي يشترط وجود كفيل عراقيّ وموافقة وزارات العمل والشؤون الاجتماعيّة والداخليّة، الأمر الذي سيتسبّب بمزيد من المعاناة، وقد يدفع بالقلّة المتبقّية إلى الهجرة خارج العراق".

بلغ عدد فلسطينيّي العراق 43 ألفاً منذ لجوئهم في عام 1948 حتّى الاحتلال الأميركيّ للعراق في عام 2003. ثمّ تراجعت أعدادهم بسبب استهدافهم منه، إذ قتل وجرح واعتقل المئات من قبل القوات الأمريكية، تبعت ذلك حملات قتل منظّمة وطرد وتهجير الآلاف، نفّذتها مليشيات شيعيّة مسلّحة، ولا يزيد عددهم اليوم عن 4 آلاف، وهم يتوزعون في إقامتهم بين مخيماتهم، أو يندمجون بين العراقيين.

الوضع القانوني للاجئين الفلسطينيين في العراق ليس واضحاً، فالتعامل معهم من وزارة الداخلية العراقية لا يعتمد تعليمات محددة، فتارة يعطونهم إقامة لمدة شهر ثم شهرين ثم ثلاثة، وتطالبهم بالمراجعة كل 3 أشهر،ولا يعاملون كمقيمين دائمين، ورغم أنهم يقيمون فيه منذ سبعين عاماً، لكن الدولة العراقية حتى الآن لم تمنحهم هويات إقامة.

من جهته، قال المستشار القانونيّ في المرصد الأورو- متوسطيّ لحقوق الإنسان إحسان عادل لـ"المونيتور": "إنّ خلفيّة القانون العراقيّ سياسيّة، وكان يجب أن يخضع للتشاور مع الجهات المعنيّة كالسلطة الفلسطينيّة والأمم المتّحدة، فإنّ فلسطينيّي العراق موجودون فيه منذ عشرات السنين، وتقلّبت أوضاعهم القانونيّة وفق سياسات الحكومات المتعاقبة، لكنهّم تعرّضوا لانتكاسة منذ سقوط صدّام حسين في عام 2003، فتعاملت معهم الحكومات العراقيّة بعده كضيوف غير مرغوب بهم، بزعم أنّهم من داعميه، وسيكون للقانون الجديد تأثير قاس عليهم، فهم لا يملكون جنسيّة، وليس لديهم جوازات سفر عراقية، وإنما وثائق سفر لاجئين، لا تمكنهم بسهولة من الذهاب إلى بلد آخر".

ونقلت صحيفة "العربيّ الجديد" في 21 كانون الأوّل/ديسمبر عن مصدر رفيع، لم تذكر اسمه، في ديوان رئاسة الجمهوريّة العراقيّة، اعترافه بأنّ القانون الجديد غير إنسانيّ تجاه الفلسطينيّين.

بدوره، اكتفى سفير فلسطين في العراق أحمد عقل بالقول لـ"المونيتور": "إنّ ثقتنا عالية بأنّ الحكومة العراقيّة لن تغيّر أوضاع اللاّجئين الفلسطينيّين، لكنّنا نخشى أن تتغيّر معاملة الوزارات الحكوميّة معهم. لقد التقيت في 2 كانون الثاني/يناير برئيس مجلس النوّاب العراقيّ سليم الجبّوري لاستيضاح الموقف".

وأكد عقل يوم 2 يناير أن لقاءه بالجبوري تطرق لملف فلسطينيي العراق، حيث وعده الجبوري بإنجاز صيغة قانونية تساوي اللاجئين الفلسطينيين بالعراقيين في الحقوق والواجبات.

أمّا الفصائل الفلسطينيّة فدانت القانون العراقيّ، إذ استهجن عضو المكتب السياسيّ لـ"حماس" موسى أبو مرزوق في 27 كانون الأوّل/ديسمبر القانون العراقيّ الجديد لأنّه يجرّد فلسطينيّي العراق من حقوقهم المكتسبة، ويتنافى مع صفات الشعب العراقيّ، ويتزامن مع مساعٍ صهيونيّة لتصفية قضيّة اللاّجئين، وهو استمرار لاستهدافهم الذي بدأ منذ حرب العراق في عام 2003، ولم ينته إلى اليوم.

وأبدت الجبهة الديمقراطيّة لتحرير فلسطين في 25 كانون الأوّل/ديسمبر أسفها الشديد لصدوره، لأنّه سيحرم فلسطينيّي العراق من حقوقهم الإنسانيّة، خصوصاً الإقامة الدائمة، وتمّنت على العراق إعادة النظر في إلغاء القرار 202، لما سيلحقه بالفلسطينيّين من إرباك وضرر.

ودعا عضو اللجنة التنفيذيّة لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة تيسير خالد في 23 كانون الأوّل/ديسمبر البرلمان والحكومة العراقيّين إلى التراجع عن القانون، لأنّه انتهاك جسيم ومساس خطير بحقوق مكتسبة منحتها الحكومات العراقيّة لفلسطينيّي العراق منذ 70 عاماً، مستغرباً أن يصدر هذا القانون غير الإنسانيّ تزامناً مع ضغوط الإدارة الأميركيّة وإسرائيل من أجل حلّ وكالة الأمم المتّحدة لإغاثة وتشغيل اللاّجئين الفلسطينيّين في الشرق الأدنى - الأونروا، وتصفية قضيّتهم.

تدرج الوضع القانوني للاجئين الفلسطينيين في العراق بين 1961-2001، وشهدت هذه الأعوام صدور عشرات القرارات والقوانين التي تناولت جميع شئونهم الحياتية والمعيشية.

وكذلك، قال رئيس دائرة اللاّجئين في "حماس" عصام عدوان لـ"المونيتور": "إنّ القانون الجديد ينسجم أوّلاً مع الظروف الطاردة التي يعانيها فلسطينيّو العراق، بسبب اتّهامهم من الأطراف الحكوميّة العراقيّة بأنّهم ساندوا صدّام حسين. أمّا السبب الثاني فطائفيّ باعتبارهم مسلمين سنّة، الأمر الذي يتعارض مع توجّه تلك الأطراف باعتبار العراق فيه أغلبيّة شيعيّة، وهذا القانون ما كان ليصدر لو كان موقف منظّمة التحرير الفلسطينيّة حادّاً للدفاع عن حقوق الفلسطينيّين، لكنّ المنظّمة مقصّرة في حقّهم، الأمر الذي قد يدفعنا إلى مخاطبة إيران، ذات التأثير الكبير على العراق، لوقف القانون الجديد".

القانون الجديد الذي سيطبق بداية العام الجاري، قد يسفر عن تناقص أعداد فلسطينيّي العراق، لاستمرار هجرتهم بحثاً عن الأمان، ومن الأضرار المتوقّعة عليهم منه: منعهم من الاستثمار، حرمانهم من العمل في القطاع الخاص عدم التملّك العقاريّ، منعهم من الانضمام إلى النقابات، ودفع رسوم الدراسة الجامعيّة.

وقال رئيس رابطة فلسطينيّي العراق ثامر مشينيش لـ"المونيتور": "إنّ القانون العراقيّ يلغي الإقامة الدائمة لفلسطينيّي العراق ليصبحوا مطالبين بتجديد إقامتهم بمراجعة الدوائر الرسميّة، ويضعهم تحت تهديد الإبعاد والطرد من العراق إن ارتكب أحدهم أيّ مخالفة، ويهدّد حقوقهم في التعليم الإلزاميّ والجامعيّ، الأمر الذي ينعكس على استمرار تعليمهم وتحويلهم تدريجيّاً إلى مجتمع جاهل، وتراجع الخدمات الصحيّة والعمليّات الجراحيّة التي تثقل كاهلهم بسبب تكاليفها الباهظة، الأمر الذي يزيد أيضاً معاناتهم اليوميّة".

وبدوره، أشار رئيس مركز العودة في لندن ماجد الزير لـ"المونيتور" إلى أنّ "القانون العراقيّ الجديد يمثّل خطوة إلى الوراء بمعاملة فلسطينيّي العراق،" وهو يسعى إلى لقاء السفير العراقيّ في لندن صالح عليّ لمناقشة القانون وتأثيراته وانعكاساته على واقع الفلسطينيّين المقيمين في العراق.

وأخيراً، يشعر الفلسطينيّون بأنّ القانون العراقيّ الجديد يأتي استكمالاً لفرض مزيد من التضييق عليهم، تمهيداً لتصفية قضيّة اللاّجئين، تزامناً مع تزايد التوجّهات الإسرائيليّة والأميركيّة بوقف التمويل عن وكالة الأمم المتّحدة لإغاثة وتشغيل اللاّجئين الفلسطينيّين في الشرق الأدنى - الأونروا، الأمر الذي يجعلهم عرضة لتهجير قسريّ جديد خارج العراق.