تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

بعد مجزرة مسجد الروضة... سيناء تتّجه نحو المزيد من العنف

في مشهد مأساويّ هو الأصعب من نوعه في تاريخ مصر، قتل ما يزيد عن 300 مدنيّاً، من بينهم 27 طفلاً، وأصيب نحو 100 آخرين، في هجوم إرهابيّ استهدف مسجداً في قرية الروضة البدويّة الواقعة 40 كيلومتراً (25 ميلاً) غرب العريش عاصمة محافظة شمال سيناء.
Egyptian children stand near a pile of footwear belonging to the victims of the attack that targeted the Rawda mosque near North Sinai provincial capital of El-Arish, on November 25, 2017.
Armed attackers killed at least 235 worshippers in a bomb and gun assault on the packed mosque in Egypt's restive North Sinai province, in the country's deadliest attack in recent memory.   / AFP PHOTO / STR        (Photo credit should read STR/AFP/Getty Images)

في مشهد مأساويّ هو الأصعب من نوعه في تاريخ مصر، قتل ما يزيد عن 300 مدنيّاً، من بينهم 27 طفلاً، وأصيب نحو 100 آخرين، في هجوم إرهابيّ استهدف مسجداً في قرية الروضة البدويّة الواقعة 40 كيلومتراً (25 ميلاً) غرب العريش عاصمة محافظة شمال سيناء.

يقول السكّان المحلّيّون لقرية الروضة إنّ معظم رجال القرية قد قتلوا في الهجوم الإرهابيّ الذي وصفوه بمجزرة تصل إلى حدّ الإبادة الجماعيّة لهم. يبلغ عدد سكّان القرية نحو ألفي مواطن، أغلبهم من عشيرة الجريرات، أحد مكوّنات قبيلة السواركة، ثاني أكبر قبائل سيناء.

ماذا حدث؟

بحسب الشهادات التي حصل عليها "المونيتور" من السكّان، فإنّ خمس سيّارات دفع رباعيّ تقلّ قرابة 25 مسلّحاً يرتدون زيّاً شبه عسكريّ، وفي حوزتهم أسلحة رشّاشة وأعلام سوداء مماثلة لأعلام تنظيم الدولة الإسلاميّة، وصلت إلى المسجد الذي يجمع معظم رجال القرية، لتأدية صلاة الجمعة ظهر 24 تشرين الثاني/نوفمبر.

انقسم المسلّحون إلى مجموعات، إحداها فتحت النيران على المصلّين من نوافذ المسجد، وأخرى أحرقت سيّارات المصلّين خارجه بهدف منع هروبهم، وثالثة راقبت الطرق وقتلت المارّة من أهالي القرية القادمين إلى المسجد، ومنعت سيّارات الإسعاف من نقل المصابين.

يقول م. السواركة، أحد الناجين من المجزرة، بعدما حفظته العناية الإلهيّة بتراكم الجثث فوق جسده لـ"المونيتور": "بعد دقائق من بدء خطبة الجمعة، فوجئنا برصاص كثيف يخترق نوافذ المسجد، وسط تكبيرات في الخارج. لم أفهم ماذا يحدث، بدأ المصلّون في السقوط على الأرض، وتناثرت الدماء في شكل مرعب. رائحة الدماء كانت قويّة جدّاً، أوصلتني إلى وضع الغثيان. جثث أقاربي المصلّين تتساقط فوقي، الأطفال يصرخون من ألم الرصاص المخترق لأجسامهم الضعيفة".

بصوت يملؤه الألم، يستكمل السواركة: "فقدت السيطرة على جسدي من تراكم الجثث فوقي، لكنّني كنت أرى ما يحدث بين هذه الجثث، كان الحائل الوحيد أمام عينيّ دماء تتساقط من الجثث التي تعتلي جسدي. في كلّ لحظة أغمض عينيّ وأفتحهما، كنت أرى بعض المصلّين يحاولون الهرب من النوافذ، لكنّ المسلّحين فتحوا النيران على رؤوسهم".

يضيف السواركة: "بعد دقائق، دخل المسلّحون إلى المسجد وفتحوا النيران على رؤوس المصلّين الذين قتلوا في الأساس، كان الهدف الإجهاز علينا في شكل مخيف... وكلّما سمعت صوت الرصاص، كنت أشعر بأنّني أتعرّض للموت من جديد".

يقول الأهالي إنّ الدماء غطّت أنحاء المسجد كافّة وخارجه، وصولاً إلى بعض طرقات القرية، مؤكّدين أنّ المسلّحين فتحوا نيرانهم على المسجد لقرابة النصف ساعة، ولم يكتفوا بكلّ هذه الدماء، بل ذهبوا إلى بعض المنازل المحيطة بالمسجد وفتحوا النيران على سكّانها، وهم يكبّرون ويردّدون عبارة "لا تتركوا أحداً حيّاً". يقول الأهالي إنّ صوت بعض المهاجمين يشير إلى أنّهم من بدو سيناء، فيما تشير لهجات الأغلبيّة إلى أنّهم ليسوا مصريّين.

من المسؤول عن مذبحة الروضة؟

لم يعلن حتّى هذه اللحظات أيّ تنظيم إرهابيّ مسؤوليّته عن مجزرة الروضة. لكنّ أصابع الاتّهام تشير إلى ولاية سيناء فرع تنظيم الدولة الإسلاميّة، بحسب رؤية أحد الباحثين في شؤون سيناء والجماعات المسلّحة، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، في حديث إلى "المونيتور"، قائلاً: "كلّ القراءات تشير إلى أنّ الفاعل هو تنظيم ولاية سيناء، فطريقة القتل تشبه طريقة تنفيذ المذبحة التي استهدفت في 9 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، المدنيّين من سائقي شاحنات نقل مواد الإنتاج، إلى مصنع إسمنت العريش، المملوك من قوّات الجيش في وسط سيناء".

يقول الباحث إنّ ولاية سيناء لم تعلن مسؤوليّتها عن مقتل السائقين المدنيّين، لكنّها في الوقت ذاته، أعلنت عن تصفية مقدّم في الجيش، كان مرافقاً للسائقين كقوّة تأمين، مرجّحاً عدم إعلان التنظيم عن مذبحة الروضة.

ومن العوامل الأخرى التي تكشف تورّط ولاية سيناء في تنفيذ المذبحة، عثور الأهالي على بقايا الطلقات الناريّة التي انتشرت بكثافة في محيط المسجد المستهدف، مدوّنة عليها جهة الصنع ج.م.ع. أي صنعت في جمهوريّة مصر العربيّة، للقوّات المسلّحة المصريّة، وولاية سيناء هو التنظيم الوحيد الذي تمكّن من الاستيلاء على أسلحة من الارتكازات والمقرّات العسكريّة المصريّة التي هاجمها في سيناء، وأعلن مراراً عن ذلك.

إذا كانت ولاية سيناء هي المسؤولة عن المذبحة، فلماذا تمتنع عن إعلان مسؤوليّتها؟

يجيب الباحث، قائلاً: "بداية، يجب معرفة الأسباب وراء تنفيذ المذبحة، أوّلاً إلقاء الرعب في صفوف الناس، خصوصاً بعد اقترابهم من الهزيمة نتيجة جهود بعض أهالي سيناء في التعاون مع الجيش، وثانياً الظهور في شكل قويّ أمام مريديهم بعد الهزائم التي لحقت بتنظيمهم في سوريا والعراق، ولفت الانتباه إلى أنّ فرع ولاية سيناء ما زال قويّاً، وجاهزاً لاستقبال المقاتلين الفارّين من العراق وسوريا وليبيا، وهذا يأتي في أطار حاجتهم الماسّة إلى مقاتلين، بعدما جفّف الجيش المصريّ بالتعاون مع حماس، منابع إمدادهم بمقاتلين من غزّة".

أمّا عن أسباب عدم تبنّي تنظيم ولاية سيناء تنفيذ المذبحة، فيقول الباحث: "لا يهمّ بالنسبة إليهم إعلان مسؤوليّتهم من عدمه، فأهدافهم المرجوّة وصلت إلى مريديهم، حيث ذاع صيتهم في العالم، وظهروا في شكل أكثر رعباً، في محاولة لتحييد أهالي سيناء والسيطرة عليهم، إلى جانب تخويف كلّ من يفكّر في التصدّي لهم. وأعتقد أيضاً أنّهم يتركون مساحة لأنفسهم من أجل التنصّل من المسؤوليّة إذا ضاقت بهم السبل".

لماذا خصّ الهجوم قرية الروضة ومسجدها بالتحديد؟

تعدّدت التفسيرات عن دلالة استهداف مسجد الروضة، فبعض أهالي سيناء أرجعوا سبب الهجوم إلى تهديد عناصر من ولاية سيناء أهالي قرية الروضة في الأشهر الماضية بالاستهداف، في حال استمرّوا في إبلاغ الجيش عن تحرّكات تنظيمهم.

ويقول الأهالي إنّ إرهابيّي ولاية سيناء حاولوا من وقت إلى آخر وضع عبوات ناسفة والتخطيط لشنّ هجمات على آليّات عسكريّة تمرّ من الحين إلى الآخر، على الطريق الدوليّ الواصل بين المحافظات المصريّة وشمال سيناء، وهو الطريق الممتدّ في جوار قرية الروضة، فيما فشل بعضها بسبب إبلاغ أهالي القرية الجهات الأمنيّة بها.

وفي السياق ذاته، يقول أحد الناجين في تسجيل على أحد صفحات التواصل الاجتماعيّ المحلّيّة في سيناء، إنّه سمع أحد المهاجمين يقول وهو يطلق النيران على المصلّين: "هذا جزاء من يهين المجاهدين".

أمّا أحد الصحافيّين المحلّيّين في سيناء، فضّل عدم الكشف عن اسمه، فيرجع في حديثه إلى "المونيتور" الهجوم إلى كون القرية تتبع الحركة الصوفيّة، التي تؤمن بضرورة نقاء النفس كجزء من العبادة ورفض العنف والأفكار الإرهابيّة، وبالتالي يصنّف "داعش" أهلها بأنّهم فئة كافرة ومحاربة للجهاديّين.

يقول الصحافيّ: "الصوفيّة هي أحد مكوّنات جماعة أهل السنّة، وليست مذهباً مختلفاً، لكنّ ولاية سيناء تكفّر كلّ من ليس معها، حتّى أنّها تكفّر السلفيّة الجهاديّة التي تتبع القاعدة".

وفي كانون الأوّل/ديسمبر 2016، نشرت مجلّة النبأ التي يصدرها تنظيم "داعش" تهديداً بالقضاء على مسجد الروضة، لاحتضانه الصوفيّة الجرريّة الأكثر انتشاراً في سيناء، وأعظمها شركاً وتعاوناً مع النظام الطاغوتيّ (الحكومة المصريّة)، بحسب تعبيره.

وبحسب المجلّة، فإنّ أحد أمراء مركز الحسبة في ولاية سيناء الإرهابيّة أكّد نيّة تنظيمه القضاء على مسجد الروضة، فيما نشر تهديداً للصوفيّين، قائلاً: "نقول لجميع الصوفيّين شيوخا وأتباعاً، داخل سيناء وخارجها، إنّنا لن نسمح بوجود طرق صوفيّة في ولاية سيناء خصوصاً، وفي مصر عموماً. اعلموا أنّكم عندنا مشركون كفّار، وأنّ دماءكم عندنا مهدورة نجسة".

هل كلّ من قتل في المسجد صوفيّ؟

يقول السكّان المحلّيّون في سيناء إنّ العشرات من الذين قتلوا في المسجد لا يتبعون أيّ تصنيف دينيّ، وتواجدوا بهدف تأدية صلاة الجمعة في المسجد الوحيد في القرية، من بينهم 135 مواطناً من النازحين والهاربين من جحيم العمليّات العسكريّة بين الجيش و"داعش" في مدينتي الشيخ زويد ورفح، و30 طفلاً لا يعرفون ماذا تعني التصنيفات الدينيّة.

وعن مقتل الأطفال، يقول سلمي، وهو أحد سكّان مدينة بئر العبد الواقعة غرب قرية الروضة بـ30 كيلومتراً، في حديث إلى "المونيتور": "هذا التنظيم وحشيّ، لا يفرّق بين طفل وكبير، أو بريء ومذنب. هو يكفّر كلّ من ليس قاتلاً مثله، وليس عنده حرج في قتل الأطفال لاعتقاده أنّ الطفل قد يشتدّ عوده بعد سنوات، ويرفض فكره العفن".

اتّهامات بالإهمال والتقصير!

عقب مجزرة الروضة، توعّد الرئيس المصريّ عبد الفتّاح السيسي الإرهابيّين بالردّ "بقوّة غاشمة"، معلناً عن إنشاء نصب تذكاريّ عملاق في قرية الروضة، وفق لأحدث التصميمات العالميّة.

وسادت حالة من الغضب لدى أهالي بعض المصابين، لعدم تلقّيهم العلاج في شكل لائق، وقال أحدهم لـ"المونيتور": "لا نريد نصباً تذكاريّاً، بل نريد أن يعالج أبناؤنا في مستشفيات آدميّة، فمصابونا حتّى هذه اللحظات راقدون في مستشفيي العريش والإسماعيليّة من دون أيّ علاج، وما زال الرصاص في أجسادهم منذ الحادثة وحتّى الآن (حتّى كتابة التقرير في 27 تشين الثاني/نوفمبر)".

وأضاف آخر: "الإرهابيّون استمرّوا في الهجوم على القرية لقرابة الساعة، ولم تتحرّك الدولة لحمايتنا، على الرغم من أنّ طائرات الجيش تحتاج إلى خمس دقائق فقط لتصل إلينا وتبيد القتلة. ويقع معسكر للجيش على بعد دقائق منّا، لكنّه لم يحرّك ساكناً. فهل الدولة تعاقبنا لأنّنا نحبّ مصر، ونحترم القانون، ونرفض الإرهاب". ويمتنع السكّان في سيناء عن الكشف عن هويّتهم، خوفاً من الاستهداف الإرهابيّ أو العقاب من قبل الحكومة المصريّة التي تفرض تعتيماً إعلاميّاً على سيناء.

وقال منصور أبو جرير، شقيق أحد الضحايا، على صفحته على الـ"فيسبوك": "لا عزاء، هل عمرك شفت (رأيت) عزاء في عشيرة بأكملها، عزّو المشايخ التي رفضت تسلّحهم (أي تسمح بحمل عشيرته السلاح لمواجهة "داعش") بحجّة الخوف من حرب أهليّة، عزّو المشايخ وحاشيتهم والمسؤول والوزير والحاكم العسكريّ والمحافظ".

سيناء تتّجه نحو المزيد من العنف

من جانبها، استنكرت جماعة جند الإسلام الموالية لتنظيم القاعدة مجزرة الروضة، عبر بيان تشير دلالاته إلى محاولات الجماعة إنشاء حاضنة أهليّة بأسلوب يتعاطف مع سكّان سيناء، ومحاولة استقطاب الناقمين على انتهاكات "داعش" والجيش المصريّ على حدّ سواء، لتوظيفهم في بناء جماعتها التي تحاول العودة إلى المشهد في سيناء.

ويرى الباحثون والخبراء أنّ سيناء تتّجه نحو المزيد من العنف، في ظلّ اتّجاه تنظيم ولاية سيناء إلى درجة الجنون في استخدام العنف، ومحاولات عودة القاعدة، واستمرار الحكومة المصريّة في عزل أهالي سيناء وتهميشهم.

More from A correspondent in Sinai

Recommended Articles