تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل تخفّض ليبيا قيمة الدينار؟

في ليبيا، لا يتعلّق خفض قيمة الدينار باستحداث فرص عمل، بل بتثبيت الأموال العامّة والحفاظ على احتياطي العملات الأجنبيّة وحلّ أزمة السيولة المستمرّة.
18361756_10158617908505524_813994567_n.jpg

بعد مرور حوالى ستّ سنوات على سقوط العقيد معمّر القذّافي في العام 2011، تواجه ليبيا تحدّيات سياسيّة واجتماعيّة وأمنيّة كبيرة. فالجهود الدوليّة الهادفة إلى إصلاح الشرخ السياسيّ والمؤسسيّ العميق بين الفصائل السياسيّة والعسكريّة المتناحرة في ليبيا توقّفت في الأشهر الأخيرة. وتستمرّ جيوب النزاع في الغليان في بقع التهريب في غرب ليبيا، وحول الموانئ والمنشآت النفطيّة في منطقة الهلال النفطيّ، وفي شرق ليبيا بينما تستمرّ قوّات الجيش الوطنيّ الليبيّ بقيادة المشير خليفة حفتر في ضرب القوّات الجهاديّة في بنغازي ودرنة.

الأزمة الاقتصاديّة

في ظلّ عدم الاستقرار والفوضى الناجمة عن الخروج عن القانون، تؤرّق حالة الاقتصاد الليبيّ الحرجة الكثير من الليبيّين. فالشهر الماضي، انخفضت قيمة الدينار الليبيّ من 6 إلى 9 مقابل الدولار الأميركيّ في السوق السوداء. وتعني أزمة السيولة المستمرّة (يقدَّر أنّ أكثر من 90 في المئة من السيولة الليبيّة هو خارج النظام المصرفيّ) أنّ المواطنين عاجزون عن سحب الأموال من مصارفهم وأنّهم غالباً ما لا يتلقّون رواتبهم بسبب عدم توافر النقود لدى أصحاب العمل.

وبينما تحاول المؤسسّات الماليّة الليبيّة إنعاش الاقتصاد المثقل برواتب حكوميّة وكمبيالات دعم مرتفعة واحتياطي عملات أجنبيّة مستنفد ومستويات عالية من الفساد، تسجّل ليبيا عائدات نفطيّة محدودة بسبب الانتاج المنخفض وأسعار النفط المنخفضة. ويبلغ الإنتاج النفطيّ الليبيّ حاليّاً حوالى 760 ألف برميل في اليوم، لكنّ الحصارات المتكرّرة والإضرابات والمنافسة المستمرّة بين الخصوم السياسيّين وميليشياتهم الحليفة على السيطرة على الصادرات النفطيّة المهمّة للغاية أدّت إلى تراجع الإنتاج مرّات عدّة إلى 500 ألف برميل في اليوم في الأشهر الأخيرة.

التجزئة المؤسسيّة

بالإضافة إلى ذلك، تعني التجزئة المؤسسيّة أنّ فرع مصرف ليبيا المركزيّ في طرابلس المعترف به دوليّاً ومصرف ليبيا المركزيّ المنافس له في شرق ليبيا يعتمدان سياسات نقديّة مختلفة ومتعارضة في غالب الأحيان للتعامل مع الأزمة. والأخطر من ذلك هو الانقسامات في داخل المصرف في طرابلس. فالخلاف القائم بين مكتب تدقيق الحسابات في طرابلس، الذي يتولّى المراقبة الماليّة، ومصرف ليبيا المركزيّ يعيق محاولات اعتماد تدابير اقتصاديّة جديدة. وفي بيان نادر، وصف مكتب تدقيق الحسابات مصرف ليبيا المركزيّ بأنّه غير كفؤ ومتواطئ في غسيل العملات الأجنبيّة وتهريبها إلى خارج ليبيا.

وأشار محافظ مصرف ليبيا المركزيّ في طرابلس، الصديق الكبير، مؤخّراً إلى أنّ الدينار الليبيّ يتعرّض للهجوم. وأكّد مكتب تدقيق الحسابات على كلامه هذا، مشيراً إلى أنّ هبوط قيمة الدينار في السوق السوداء يستند في الدرجة الأولى إلى طلب قائم على المضاربة، لا إلى طلب حقيقيّ. ويزعم بعض الخبراء الماليّين أيضاً أنّ التجّار والمستوردين يلجأون عمداً إلى المضاربات لإجبار مصرف ليبيا المركزيّ على تخفيف القيود على خطابات الاعتماد.

وتجيز القوانين الخاصّة بالقطاع المصرفيّ في ليبيا لمصرف ليبيا المركزيّ إعادة النظر في سعر صرف الدينار مقابل العملات الأخرى على ضوء التغيّرات في العرض والطلب، بالإضافة إلى أولويّات أخرى متعلّقة بالسياسات الاقتصاديّة. ومع أنّ الصديق الكبير يفكّر في خفض قيمة الدينار، إلا أنّه يتردّد في الإعلان عن ذلك ويقاوم على ما يبدو الضغوط التي تمارسها عليه حكومة الوفاق الوطنيّ المعترف بها دوليّاً من أجل فعل ذلك. فقد قال في مؤتمره الصحافيّ الأخير إنّ القرارات الاقتصاديّة الموجعة ضروريّة، لكنّه لم يتطرّق إلى أيّ حلول مهمّة مرتبطة بالسياسات للأزمة الاقتصاديّة الليبيّة. ويؤيّد مكتب تدقيق الحسابات أيضاً خفض قيمة الدينار موقّتاً إلى جانب تدابير غير ماليّة أخرى لإنقاذ الاقتصاد. لكنّ منتقدي هذه المقاربة يخشون ألا يحقّق خفض قيمة الدينار أيّ نتيجة، وأن يكون عوضاً عن ذلك بمثابة ضريبة مستترة ستكبّد المواطنين الليبيّين تكاليف اجتماعيّة وأمنيّة إضافيّة.

في الأوضاع الاقتصاديّة الطبيعيّة، يتمّ اللجوء إلى خفض قيمة العملة لزيادة التنافسيّة الدوليّة بما أنّ الطلب الخارجيّ على السلع والخدمات الخاصّة ببلد معيّن يضطلع بدور مهمّ في تحديد سرعة النموّ الاقتصاديّ. وعند مناقشة خفض قيمة العملة، يكون الهدف في غالب الأحيان استحداث فرص عمل. وعندما ترتفع أسعار السلع المستوردة في عملة محليّة، يحدّ ذلك من الواردات، ما يعزّز المخرجات المحليّة وشراء السلع المحليّة. وتجذب السلع والخدمات المنتجة محليّاً الأجانب بعد أن يؤدّي خفص قيمة العملة إلى زيادة الصادرات بشكل كافٍ. وينجم عن ذلك توازن أو حتّى فائض في الميزان التجاريّ.

لكن لا شيء من ذلك ينطبق على ليبيا. فليبيا، بصفتها مصدّرة للنفط ودولة ريعيّة، تلجأ إلى خفض قيمة عملتها لتثبيت الأموال العامّة والحفاظ على احتياطي العملات الأجنبيّة وحلّ أزمة السيولة من خلال تحديد قيمة لخطابات الاعتماد أعلى بكثير بالعملة المحليّة، وزيادة العائدات الحكوميّة، وموازنة الحساب الحاليّ. وفي ليبيا، يعاني القطاع العامّ من تضخّم بوجود 1,3 ملايين موظّف (من أصل 6 ملايين نسمة). وبالتالي، يمكن القول أنّ خفض قيمة العملة في ليبيا لا يتعلّق بتعزيز المخرجات المحليّة وحلّ مشكلة البطالة.

ومن خلال إضعاف الدينار، يسعى مصرف ليبيا المركزيّ إلى إبقاء العائدات النفطيّة واحتياطي العملات ثابتة، وبالتالي مكافحة أزمة السيولة في القطاع العامّ. فالنفط يسعَّر بالدولار، لكنّ غالبيّة النفقات الحكوميّة هي بالدينار (مثلاً، الرواتب)، من هنا أهميّة العائدات النفطيّة وكميّة الدينارات التي تنتجها.

يبدو أنّ ليبيا سوف تضطرّ في نهاية المطاف إلى خفض قيمة عملتها، لكنّ السؤال هو متى وفي ظلّ أيّ ظروف سياسيّة. نظراً إلى استمرار الجمود السياسيّ، من المتوقّع أن يؤدّي خفض قيمة العملة إلى أسعار مرتفعة للغاية وطوابير دائمة أمام المصارف وسلب ونهب. ومع أنّ خفض قيمة العملة خطوة غير مستحبّة في ليبيا، إلا أنّ تحقيق إنجاز سياسيّ من شأنه إعادة الأمل ومساعدة الليبيّين على تحمّل معاناتهم الاقتصاديّة.

Join hundreds of Middle East professionals with Al-Monitor PRO.

Business and policy professionals use PRO to monitor the regional economy and improve their reports, memos and presentations. Try it for free and cancel anytime.

Free

The Middle East's Best Newsletters

Join over 50,000 readers who access our journalists dedicated newsletters, covering the top political, security, business and tech issues across the region each week.
Delivered straight to your inbox.

Free

What's included:
Our Expertise

Free newsletters available:

  • The Takeaway & Week in Review
  • Middle East Minute (AM)
  • Daily Briefing (PM)
  • Business & Tech Briefing
  • Security Briefing
  • Gulf Briefing
  • Israel Briefing
  • Palestine Briefing
  • Turkey Briefing
  • Iraq Briefing
Expert

Premium Membership

Join the Middle East's most notable experts for premium memos, trend reports, live video Q&A, and intimate in-person events, each detailing exclusive insights on business and geopolitical trends shaping the region.

$25.00 / month
billed annually

Become Member Start with 1-week free trial

We also offer team plans. Please send an email to pro.support@al-monitor.com and we'll onboard your team.

What's included:
Our Expertise AI-driven

Memos - premium analytical writing: actionable insights on markets and geopolitics.

Live Video Q&A - Hear from our top journalists and regional experts.

Special Events - Intimate in-person events with business & political VIPs.

Trend Reports - Deep dive analysis on market updates.

All premium Industry Newsletters - Monitor the Middle East's most important industries. Prioritize your target industries for weekly review:

  • Capital Markets & Private Equity
  • Venture Capital & Startups
  • Green Energy
  • Supply Chain
  • Sustainable Development
  • Leading Edge Technology
  • Oil & Gas
  • Real Estate & Construction
  • Banking

Start your PRO membership today.

Join the Middle East's top business and policy professionals to access exclusive PRO insights today.

Join Al-Monitor PRO Start with 1-week free trial