تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

غزّة حاضرة في أسواق القاهرة

في منطقة الأسواق الشعبيّة المصريّة الأكثر ازدحاماً بالمتسوّقين، وسط العاصمة المصريّة القاهرة، تقع "سوق غزّة" الشعبيّة القديمة المتخصّصة حاليّاً في بيع الملابس بكلّ أنواعها. وكانت بدأت نشاطها التجاريّ منذ بداية الأربعينيّات من القرن الماضي، معتمدة على التجارة المتبادلة من قِبل التجار الفلسطينيون بين قطاع غزّة ومصر.
An outdoor tourist market with clothing on display in Cairo, Egypt May 17, 2017. REUTERS/Mohamed Abd El Ghany - RTX3696C

القاهرة - في منطقة الأسواق الشعبيّة المصريّة الأكثر ازدحاماً بالمتسوّقين، وسط العاصمة المصريّة القاهرة، تقع "سوق غزّة" الشعبيّة القديمة المتخصّصة حاليّاً في بيع الملابس بكلّ أنواعها. وكانت بدأت نشاطها التجاريّ منذ بداية الأربعينيّات من القرن الماضي، معتمِدة على التجارة المتبادلة من قِبل التجار الفلسطينيون بين قطاع غزّة ومصر.

وانتقلت السوق في عام 2014 من المنطقة المحاذية لسوقيّ العتبة والموسكي، وسط القاهرة القديمة، إلى حيّ الزاوية الحمراء القريبة منهما والمطلّة على شارع بورسعيد التجاريّ، وذلك لغياب وسائل الأمان في مكانها القديم وعشوائية بنائها التي أصبحت لا تتناسب مع والمكان التي تتواجد فيه، فيما افتتحت بجوارها في نهاية كانون الثاني/يناير من العام الجاري سوقاً جديدة أكثر تطوّراً وترتيبا، اذ تستمد الطاقة الكهربائية من ألواح شمسية، على مساحة 6 آلاف متر مربّع، وتحمل الاسم ذاته، بيد أن البضائع والتجار الفلسطينيين انقطعوا عن التواجد داخل السوق جراء الاغلاق المستمر لمعبر رفح البري، وحلّت محلّها البضائع المصرية في شكل كامل والتي بمجملها مرتفعة الثمن.

وفي هذا السياق، أشار المواطن المصريّ عبد الكريم عليّ، (70 عاماً)، والذي كان يعمل "عتّالاً" داخل سوق غزة منذ منتصف السبعينيّات في حديث لـ"المونيتور" إلى أنّ التجارة بين قطاع غزّة ومصر كانت تشهد نهضة في ستينيّات وسبعينيّات وبداية ثمانينيّات القرن الماضي، إذ كان التجّار الفلسطينيّون من قطاع غزّة ينقلون البضائع من ملابس وزيت زيتون وبعض المنتجات الفلسطينيّة ويقومون ببيعها في السوق، ناهيك عن البضائع التي ينقلونها لبيعها داخل القطاع، وقال: "إنّ التجارة بين قطاع غزّة ومصر هي التي أنشأت هذه السوق. ولذلك، حملت اسم غزّة، فالتجّار الذين كانوا يمارسون التجارة داخل السوق هم فلسطينيّون ومصريّون فقط، وكنت نادراً ما أجلس في البيت، فلا إجازات، إذ كان عملي في داخلها بشكل مستمرّ ويدرّ أرباحاً كثيرة".

في جولة سريعة داخل السوق، نجد أنّها تحمل طابعاً موحّداً، إذ تتخصّص في بيع الملابس بكلّ أنواعها، وهو التخصّص الذي كان يغلب عليها منذ إنشائها.

وأشار المسنّ الفلسطينيّ سالم أبو يوسف، (77 عاماً)، والذي يقطن حاليّاً في حيّ الأمل الواقع بوسط مدينة خانيونس - جنوب قطاع غزّة، في حديث لـ"المونيتور" إلى أنّ تجارته بين القطاع و"سوق غزّة" في القاهرة بدأت متأخّرة، وتحديداً في عام 1982، حيث كان يطلق عليه آنذاك "تاجر شنطة" لحمله الملابس الفلسطينيّة الصنع إلى سوق غزّة في القاهرة، وقال: "كنت أبيع كلّ بضاعتي في وقت قصير نسبيّاً، مقارنة بغيري من التجّار المصريّين، اذ لم يكن يستغرق بيع ما آتي به من ملابس فلسطينيّة الصنع أكثر من أسبوعين، فيما كانَ صافي الربح الذي أحصل عليه 30 في المئة من مجمل التجارة".

وأوضح سالم أبو يوسف أنّه أثناء عودته إلى قطاع غزّة كان يشتري البضائع المصريّة من السوق ذاتها ليبيعها في أسواق القطاع. وبقي على هذه الحال حتّى توقّف عن التجارة والانتقال بين قطاع غزّة وسوق غزّة في القاهرة خلال عام 2005، بسبب إغلاق معبر رفح البريّ بين غزّة ومصر لفترات طويلة.

أمّا باسم قريقع، (61 عاماً)، والذي يسكن في حيّ الشجاعيّة في شرق مدينة غزّة، فبدأ بالتجارة بين قطاع غزّة و"سوق غزّة" منذ طفولته في عام 1967، حيث كانوا يبيعون في السوق منتجات مصنع الخياطة الذي ما زالوا يمتلكونه في مدينة غزّة حتّى يومنا هذا، وقال لـ"المونيتور": "رغم أنّ الإقبال على البضائع الفلسطينيّة داخل سوق غزّة كان كبيراً، وكنّا نبيع أغلب البضائع التي نحملها معنا إلى مصر بمعدّلات أرباح مرتفعة، إلاّ أنّنا توقّفنا عن العمل في التجارة بين قطاع غزّة وسوق غزّة في القاهرة خلال عام 2007 بعد أن أصبحت الطرق إلى مصر صعبة نتيجة الإغلاقات الطويلة لمعبر رفح، إثر فوز حماس بالإنتخابات التشريعيّة في عام 2006".

من جهتها، أوضحت رئيسة جمعيّة حماية المستهلك المصريّة والباحثة الإقتصاديّة سعاد الديب لـ"المونيتور" أنّ وجود سوق باسم غزّة، حتّى وإن انتقلت من المنطقة التي تأسّست فيها منذ البداية إلى منطقة جديدة، فهي تمثّل رمزيّة الارتباط بين قطاع غزّة ومصر تاريخيّاً وجغرافيّاً، وقالت: "للسوق تاريخ طويل، فكنّا جميعنا نحب الذهاب إلى سوق غزّة لشراء المنتجات الفلسطينيّة المعروضة فيها. كما أنّها لم تعرض بضائع لفئة معيّنة مثلاً، فكان يدخلها الأغنياء وذوو الدخل المحدود والفقراء، والبضائع كانت لكلّ الأذواق".

أضافت: "فضلاً عن الملابس التي كانت تتخصّص بها السوق، كنّا نشتري المطرّزات التراثيّة الفلسطينيّة بكلّ أنواعها، إضافة إلى المنتجات التي يتميّز بإنتاجها الفلسطينيّون كزيت الزيتون، حتّى أنّني ارتبطت بكلّ هذه البضائع التي ينتجها الفلسطينيّون، وحينما أذهب إلى الأردن بسبب تواجد الفلسطينيّين فيه أو أيّ مناطق تباع فيها البضائع الفلسطينيّة، أسارع إلى شرائها".

كثيرة هي المعالم في العاصمة المصريّة القاهرة كبعض المحال والشوارع بمسميات فلسطينية، والتي تثبت أنّ الروابط التاريخيّة بين مصر وقطاع غزّة أكبر من أن تذيبها نيران التوتّر التي بدأت بعد سقوط حكم الاخوان المسلمين في مصر في منتصف العام 2013.

More from Mohammed Othman

Recommended Articles