باءت محاولة الانقلاب العسكري ضد الحكومة التركية يوم الجمعة الماضي بالفشل على ضوء التضامن والوحدة اللذين أظهرتهما البلاد التي تعاني أصلاً من انقسامات شديدة. شكّلت مظاهر الوحدة النادرة، التي تجلّت أيضاً لدى أحزاب المعارضة ووسائل الإعلام التي تنتقد الحكومة، بارقة أمل بإمكانية حدوث بعض الانحسار في الاستقطاب الذي تعاني منه تركيا منذ وقت طويل. بيد أن آفاق المصالحة ومصير الديمقراطية المشلولة في تركيا لا تزال ملتبسة وضبابية إبان الاضطرابات التي شهدتها البلاد، ويبقى الرئيس رجب طيب أردوغان صاحب الكلمة الفصل.
قبل أيام من المحاولة الانقلابية الفاشلة، وجّه عضو بارز في "حزب العدالة والتنمية" الحاكم نداء لافتاً مشيراً إلى أن اتفاقات رأب العلاقات مع روسيا وإسرائيل يجب أن تُستتبَع بجهود لمعالجة الانقسامات الداخلية. فقد قال جميل جيجك، المؤسس المشارك لـ"حزب العدالة والتنمية" ورئيس البرلمان التركي سابقاً، في مطلع تموز/يوليو الجاري: "حان الوقت لمضاعفة أعداد الأصدقاء في الداخل"، في إشارة إلى شعار أنقرة الجديد "أصدقاء أكثر، أعداء أقل" في المنطقة.
أبدى رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم دعمه لنداء جيجك، وتعهّد في مناسبات عدة "توسيع دائرة الصداقات في الداخل والخارج على السواء". كانت الرسالة التي وجّهها رئيس الوزراء مهمة، لأنه من المعلوم بأنه من أشدّ الموالين لأردوغان، وبالتالي من المستبعد أن يتفوّه بكلام لا يحظى بموافقة الرئيس، فكم بالأحرى إذا كرّر هذا الكلام مرات عدة. علاوةً على ذلك، التزم أردوغان – الذي من المعروف عنه أنه يُناقض في العلن كلام الوزراء الذين يتخطون الحدود، ويتسبّب لهم بالإحراج – الصمت حول المسألة، في ما بدا وكأنها مباركة ضمنية.
اعتمد "حزب العدالة والتنمية"، في حكمه المستمر منذ 14 عاماً بقيادة أردوغان، على سياسة الاستقطاب إلى درجة كبيرة، والتي تتمحور حول "عدو" موجود في كل مكان يجب محاربته باستمرار وتصويره للقاعدة الحزبية بأنه الهدف الذي تتم مطاردته. يتبدّل "الأعداء" من مرحلة إلى أخرى. والعدو الأبرز اليوم يتمثل في أتباع الداعية فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة الذين وُجِّهت إليهم أصابع الاتهام في المحاولة الانقلابية وصُنِّفوا في خانة التنظيمات الإرهابية بعد صداقة استمرت 12 عاماً مع "حزب العدالة والتنمية". أما في مراحل أخرى، فالعدو كان المحتجّين في حديقة غيزي أو المقاتلين والسياسيين الأكراد الذين كانوا في ما مضى شركاء الحكومة في "عملية تسوية" ما. وكانت لأحزاب المعارضة ووسائل الإعلام التي تنتقد الحكومة حصّتها أيضاً من الهجمات. استمرت هذه الاستراتيجية في تحقيق انتصارات انتخابية لـ"حزب العدالة والتنمية"، لكن الثمن هو إثارة نفور شرائح واسعة من المجتمع التركي لا تزال تعاني من الإحباط الشديد، وتشعر بالغضب وتتملّكها الكآبة بشأن المستقبل. في هذا السياق، زادت المحاولة الانقلابية من كآبتهم، مع تعاظم مخاوفهم بشأن الديمقراطية والاتجاه الذي تسلكه تركيا.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.