تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

متطوعون يطلقون "مشروع خريطة الباصات" لتحفيز النقل العام في لبنان

لمعالجة مشكلة ازدحام السير وعدم تنظيم النقل العام في لبنان، يعمل فريق صغير من المتطوعين على وضع خريطة تفاعلية للباصات وتشجيع المواطنين على الإفادة من هذه الخدمات التي يجري العمل على تطويرها.
13445650_1647532825567641_4354236497735251896_n.jpg

حركة المرور مشكلة يومية على الطرقات اللبنانية، ما يزيد من مستويات الإجهاد لدى الركّاب خلال فترة الزحمة كما في الأوقات التي يكون فيها السير أخف وتيرة. إلا أن قلة مستعدّة للتخلي عن سياراتها والاستعانة بالباصات في تنقّلاتها لجملة أسباب منها أن الطرقات التي تسلكها الباصات غير واضحة أو أن الناس يجهلون مسارها في شكل عام. لكن اليوم، يعمل فريق صغير من المتطوعين على وضع خرائط بهذه الطرقات من خلال مبادرة جماعية.

بحسب مجلة "إكزيكيوتيف"، "كان لبنان يملك نظام المواصلات الأكثر تقدّماً في الشرق الأوسط، بوجود ترامات وباصات وقطارات تَرافق استخدامها مع انتشار السيارات الشخصية"، إلا أن الحرب الأهلية التي استمرت من العام 1975 إلى العام 1990 "قضت على هذه الشبكة المتطورة". النقل العام في لبنان غير منظّم حالياً ويسوده التشوّش، ولم تُجرَ بحوث رسمية كافية حول المسألة.

بحسب دراسة أجرتها الاختصاصية في التصميم العمراني، بترا سماحة، خلال تحصيلها العلمي في الجامعة الأميركية في بيروت، نحو ثمانين في المئة من التنقلات اليومية في العاصمة بيروت ومنطقة بيروت الكبرى تتم حالياً في السيارات الخاصة، وأقل من اثنين في المئة في الباصات. وقد علّقت سماحة لموقع "المونيتور": "ثمة فكرة عامة بأن النقل العام ليس موثوقاً، وبأنه للفقراء فقط".

أضافت: "يعتقد الناس أن تطوير منظومة للنقل العام ليس أمراً مربحاً، لكن هذا غير صحيح. من شأن ذلك أن يحسّن مستوى الحياة والوظائف".

يستند تحليلها إلى دراسة أجرتها عن الـ"فان رقم 4" الذي يتبع مسار الخط الأخضر الذي كان يفصل بيروت الشرقية عن الغربية خلال الحرب الأهلية. ينطلق الفان من حي السلم في ضاحية بيروت الجنوبية إلى الحمرا في بيروت الغربية مروراً بكنيسة مار مخايل والسوديكو ووسط بيروت، في مقابل بدل مادّي ضئيل يبلغ ألف ليرة لبنانية (0.66 دولار أميركي).

تابعت سماحة: "وجدت أن السائقين والركّاب على السواء يشعرون بالرضى: يكسب السائقون 70 دولاراً في اليوم إذا كانوا يؤجّرون المركبة، و200 دولار إذا كانوا يملكونها".

وشرحت: "كان الفان رقم 4 مملوكاً من الشركة اللبنانية للمواصلات في التسعينيات، غير أن إحدى العائلات من حي السلم اشترت الخط لتأمين وظائف للأشخاص المقيمين في الحي. تعمل هذه المنظومة بطريقة جيدة الآن ويمكننا أن نستمدّ دروساً منها لتطوير منظومة النقل العام".

الباصات في لبنان إما مملوكة من الدولة وإما خاصة. في الحالة الثانية، يستأجر السائقون آليات مخصصة للنقل العام من الشركات الخاصة.

الـ"فان 4" يعرفه الطلاب والعمال والسيّاح جيداً في بيروت، إلا أنه ليست هناك خريطة عن المسار الذي يسلكه. لكن قريباً، سوف تتوافر خرائط عن هذا الخط وسواه من الخطوط في بيروت الكبرى وباقي المناطق من خلال مبادرة "مشروع خريطة الباصات" التي أطلقها راكبا الباصات، جاد بعقليني وشادي فرج، بمساعدة المصمم الغرافيكي سيرجي شيلين وسواهم من المتطوعين.

قال بعقليني الذي يعمل مستشاراً في الاتصالات، لموقع "المونيتور": "في العام 2009، أدركت أنه ليس مقبولاً أن يعلق الناس في زحمة السير طوال الوقت. فبدأت بالتقصي لمعرفة إذا كانت هناك منظمات غير حكومية تعمل على المسألة، وشاركت في أحداث وفعاليات حول هذا الموضوع".

أضاف: "لكن نقاشاتنا عن النقل العام كانت تقتصر على وجهة النظر الهندسية، وليس على ما يجول في أذهان الركّاب. أجريت بنفسي مشروعاً بحثياً، ما دفعني إلى إطلاق مشروع محطات الباصات في إطار المشاريع الشبابية لنادي الروتاري الدولي العام الفائت. وقد أدركت أننا بحاجة إلى وضع خرائط بمسارات الباصات وتطوير أداة تفاعلية تساعد ركّاب الباصات على التنقل بسهولة أكبر".

في العام 2008، كان فرج الذي يعمل في مجال تطوير البرامج الإلكترونية، قد طوّر تطبيقاً بنفسه، "لكن لم يتواصل معه أحد في ذلك الوقت من أجل تنفيذ الفكرة. وهكذا أطلقنا مشروعنا في تموز/يوليو الماضي، بهدف نشر التوعية حول خيارات النقل المتاحة عبر وضع خرائط عن مسارات الفانات والباصات".

سوف يطلق فرج وبعقليني المبادرة إلى العلن في 15 تموز/يوليو الجاري في فعاليات تُقام بالاشتراك مع شبكة التواصل الاجتماعي وأداة التصوير الفوتوغرافي FRAME، عبر تنظيم يوم توثيقي يستخدم خلاله المصوّرون الهواة والمحترفون المسودة الأولى للخريطة من أجل استكشاف منظومة الباصات في بيروت ومحيطها. أضاف بعقليني: "نأمل بأن يدفع ذلك الأشخاص إلى تزويدنا بتعليقاتهم وآرائهم من أجل تصحيح الخريطة، إنما أيضاً بأن يساهم في نشر صورة إيجابية عن النقل العام في لبنان". ولفت إلى أن "الخريطة هي مجرد نافذة نحو التغيير الضروري في الحراك. علينا أن نتحرك ونرفع مطالبنا انطلاقاً من وجهة نظر الركّاب الذين يستقلون الباصات". وعلى هذا الأساس، يعملون على إطلاق منظمة غير حكومية تعنى بهذا الشأن وتسجيلها تحت اسم Riders Ride Association.

قالت دنيا سلامة، وهي أيضاً من الأشخاص الذين يستقلون الباصات بانتظام ومن المتطوعين في "مشروع خريطة الباصات": "بما أنني متخصصة في علوم الجغرافيا، اهتممت بمنظومة النقل العام التي نشأت انطلاقاً من مبادرة ذاتية، وكيف تم تنظيمها من دون تدخل كبير من الدولة". أضافت: "تقصّيت عن الطرقات التي تسلكها الباصات، وكيف تنظّمت على ضوء احتياجات الركّاب، والطبيعة الجغرافية للأرض، والتنسيق غير المباشر بين الخطوط".

تابعت سلامة: "من الواضح أن المسارات تلبّي احتياجات الركاب في التنقل عبر المناطق، لكنها تخضع أيضاً لقيود تفرضها بعض الممارسات التي كانت قائمة قبل ظهورها. إنه لأمر مدهش كيف أن التنظيم غير الرسمي قادر على التكيف جيداً مع احتياجات المستخدمين والسائقين. تتغير الطرقات بحسب احتياجات الركّاب، والمحطات غير رسمية، وسائقو الباصات [ينسّقون في ما بينهم لنقل الركّاب]. لكن الأهم هو أن هذه المنظومة غير الرسمية تلبّي احتياجات الأكثر تهميشاً الذين ما كانوا ليتمكّنوا من التنقّل لولاها. بناءً عليه، من شأن وضع خريطة بهذه الخطوط الضرورية للباصات والفانات أن يكشف أموراً جديدة عن الطرق التي نتلمّس من خلالها التركيبة الجغرافية للبلاد ونتفاعل معها". تعتبر سلامة أن وضع الخرائط ليس سوى خطوة أولى "نحو فهم النقل العام في البلاد ومحاولة تحسينه".

وقد انخرطت سلامة في الوقت نفسه في حملة لائحة "بيروت مدينتي" المستقلة التي ترشحت للانتخابات البلدية لعام 2016. من أهداف البرنامج الذي وضعته اللائحة معالجة مسألة النقل العام في بيروت.

قالت منى فوز، الأستاذة المشاركة في الجامعة الأميركية في بيروت التي كانت مرشحة على لائحة "بيروت مدينتي"، لموقع "المونيتور": "تاريخياً، طُوِّرت مدينة بيروت انطلاقاً من خطوط النقل العام، وتحديداً خطوط بيروت/صيدا، وبيروت/دمشق، وبيروت/طرابلس التي كانت تشكّل العمود الفقري للأراضي اللبنانية". أضافت: "ليس هناك من سبب يحول دون إعادة تطوير هذه الشبكات وإنشاء شبكات إضافية. فضلاً عن ذلك، ثمة حاجة واضحة إلى المواصلات العامة وطلب واضح عليها، كما يظهر من خلال العدد الكبير من السكان الذين يتنقلون بواسطة الشبكة غير الرسمية من [سيارات الأجرة] والفانات الصغيرة. إذاً السبب وراء عدم وجود منظومة فعالة للنقل العام ليس غياب الفرص إنما غياب الإرادة السياسية".