تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

تفجيرات دموية في بغداد.. ومراقبون يعيدونها إلى الخلافات السياسية

زاد الغضب على الحكومة وعلى القيادات الأمنية أكثر في مدينة الصدر بعد التفجير، إذ نُظّمت تظاهرة غاضبة في المدينة مساء 11 أيار / مايو بعد ساعات من وقوع الانفجار ندّدت بالحكومة، ولم يتوانَ بعض المتظاهرين عن تحميل المسؤولين العراقيين مسؤولية الانفجار.
RTX2DRUN.jpg

بغداد - تحوّل يوم 11 أيار / مايو إلى يوم دامٍ عاشته العاصمة العراقيّة بغداد، بعد أن ضربت ثلاثة تفجيرات مناطق متفرّقة في جانبي المدينة التي يشقّها نهر دجلة إلى نصفين، وبدت حصيلة العراقيين الذين تضرروا جراء التفجيرات مرعبة، إذ سقط نحو 100 قتيل بينهم نساء وأطفال، وجرح نحو 170 آخرين، حتّى وقت كتابة هذه السطور.

وقد تبنّى تنظيم "داعش" العمليّات الإرهابيّة الثلاث.

ووقع التفجير الأشد في مدينة الصدر، شرقي العاصمة، ذي الغالبيّة الشيعية، حيث أودى بحياة نحو 64 قتيلاً، وإصابة 87 جريحاً بعضهم يعاني إصابات بالغة، بحسب مصادر أمنيّة تحدث إلى "المونيتور" في 12 أيار / مايو.

ووقع الانفجار على سوقٍ "عريبة" الشعبيّة في مدينة الصدر والتي تبيع الخضار والاحتياجات المنزلية لمنخفضي الدخل وترتادها نساء المنطقة على وجه الخصوص، وهي سوق مسيّجة بكتل كونكريتية بارتفاع ثلاثة أمتار، الأمر الذي يصعب استهدافها من الداخل كون لا يُسمح بدخول السيارات إليها وفقاً لشهود عيان، الذين أضافوا في حديث إلى مراسل "المونيتور" أن "الانفجار كان بسيارة مفخخة واستهدف بوابة السوق أثناء خروج الزبائن منها".

وعدّ حاكم الزاملي، رئيس لجنة الأمن والدفاع البرلمانية في بيان مقتضب في 11 أيار / مايو بعد ساعات على حدوث التفجير وتلقاه مراسل "المونيتور" أن "التفجيرات المتكررة التي تستهدف الفقراء في مدينة الصدر هي انعكاس لمطالبهم المشروعة بإزاحة المفسدين والحزبيين والطارئين على الأمن والمتمسكين بالكراسي (من السياسيين)".

والزاملي ينحدر من مدينة الصدر، وما زالت عائلته تعيش فيها إلى الآن، وهو من أشد المتحمّسين للتظاهرات ضد الحكومة، الأمر الذي يفسِّر بيانه الغاضب على الحكومة والقيادات الأمنية.

ولا بدَّ من الإشارة إلى أن جلّ المتظاهرين في بغداد، وخاصة أولئك الذين اقتحموا المنطقة الخضراء في 30 نيسان / أبريل، غالبيّتهم من مدينة الصدر المكتظّة بالسكّان، والتي تعاني فقراً وبطالة كبيرتين. وهي من أكبر الأحياء في العاصمة بغداد لنفوذ لرجل الدين الشاب مقتدى الصدر.

وزاد الغضب على الحكومة وعلى القيادات الأمنية أكثر في مدينة الصدر بعد التفجير، إذ نُظّمت تظاهرة غاضبة في الحي مساء 11 أيار / مايو بعد ساعات من وقوع الانفجار ندّدت بالحكومة، ولم يتوانَ بعض المتظاهرين عن تحميل المسؤولين العراقيين مسؤولية الانفجار.

وأشار الكاتب والإعلامي زاهر موسى، الذي ينحدر من مدينة الصدر، إلى افتراضين لدخول السيارة الملغمة إلى مدينة الصدر.

وقال موسى في حديث إلى "المونيتور" أن "الافتراض الأول هو ان انفجار سوق عريبة في مدينة الصدر لم تكن الطريق إليه صعبة، لكن على الاقل كان يجب على الإرهابي الذي قاد المفخخة أن يمر بحاجز رئيسي للقوّات الأمنية من أيِّ اتجاه يدخل فيه إلى مدينة الصدر"، لافتاً إلى أن "اجتياز حاجز أمني واحد من قبل الإرهابيين ليس أمراً صعباً في العراق".

لكنه أشار إلى الفرضية الثانية وهي تصنيع السيارة المفخخة في داخل مدينة الصدر، وأوضح موسى أن "إذا لجأنا الى افتراض ان السيارة قد اعدت داخلها فهو أمر ممكن وقد حدث سابقاً بطريقة بطيئة وتجميعية وعلى توقيتات متباعدة".

ويعتقد خبراء أمنيون التقاهم مراسل "المونيتور" في بغداد، وهم هشام الهاشمي، وعماد علو، أن التفجيرات حصلت لسببين، الأول هو أن تنظيم "داعش" يحاول تخفيف ضغط العمليات العسكرية ضده والتي تقوم بها القوّات الأمنية وأبناء العشائر في المناطق التي يحتلّها، والثاني هو ان الخلافات السياسية أثرت بشكل سلبي على المستوى الأمني.

وقال عماد علو، الخبير في الشؤون الامنية، أنه: "كلما كانت هناك ازمة سياسية كلما أثرت بشكل سلبي على الوضع الأمني في البلاد".

وأوضح علو في حديث إلى "المونيتور": "إن تنظيم داعش حرّك خلاياه النائمة بعدما تعرض لضغط كبير في جبهات القتال".

واضاف علّو أن "على الحكومة العراقية تفعيل جهدها الاستخباري والتحرك نحو معرفة أماكن وجود الخلايا النائمة في المحافظات والمدن المستقرة، وأن لا يكون هناك أي فراغ في الضغط على تلك الخلايا للحد من تحركاتها وإلقاء القبض عليها".

بدوره، قال هشام الهاشمي، وهو ‏باحث زائر في مركز النهرين للدراسات الاستراتيجية، أنه: "منذ حوالي عامين وكل عراقي يدرك ان تنظيم (داعش) ينفذ عملياته الارهابية بطريقة الأواني المستطرقة".

وأشار في حديث إلى "المونيتور" إلى: "أن تنظيم كلما تم الضغط عليه في المدن التي يحتلها في العراق يظهر في المدن الهشة أمنياً مثل بغداد ويقوم بعمليات إرهابية غادرة".

وشدّد الهاشمي، وهو أصدر كتاب "عالم داعش" الذي يكشف الهرم القيادي داخل تنظيم "داعش" المتطرّف، على "ضرورة نقل الملف الأمني من قيادة عمليات بغداد إلى وزارة الداخلية وجهاز الأمن الوطني".

ويُدير أمن العاصمة بغداد "قيادة عمليات بغداد" وهي تتبع إلى إمرة وزارة الدفاع ولديها فروح استخبارات، وهو الأمر الذي يجد استهجاناً لأن الكثير من المسؤولين في بغداد يرون أن مهمة حماية العاصمة هي من شأن وزارة الداخلية.

كما قال الهاشمي أن على الحكومة "تفعيل الأمن في الأسواق ودور العبادة، بطريقة الشرطة المناطقية"، مبيناً أن "توفير الأمن الداخلي لا يتم بأساليب عسكرة المدن والحواجز المعرقلة للطرق، بل بإيجاد حلول رقمية وتقنية جادة لمشكلة كشف المتفجرات".

والحال، فإن أغلب البيانات، المحليّة والعربيّة، التي نددّت بالتفجيرات التي هزت بغداد حثّت الأحزاب السياسية العراقيّة، على ترك الخلافات والتوصّل إلى مصالحة سياسية ووطنيّة من أجل استقرار البلاد أمنياً وسياسياً.

وأكد نبيل العربي، الأمين العام لجامعة الدول العربيّة، في بيان في 11 أيار / مايو، على "دعم جامعة الدول العربية للجهود التي تبذلها الحكومة العراقية لدحر تنظيم داعش ومحاربة الإرهاب والجماعات المتطرفة"، ودعا العربي "جميع القيادات السياسية العراقية إلى توحيد كلمتهم وإنهاء حالة الانقسام السياسي لتفويت الفرصة على التنظيمات الإرهابية والجماعات المتطرفة التي تسعى إلى بث التفرقة وتفجير الفتن الطائفية والنيل من أمن العراق واستقراره".

وفي الواقع، فإن التفجيرات التي هزّت العاصمة العراقيّة بغداد أثبتت مجدداً أن الإرهاب يتحرّك ببساطة كبيرة، ويختار التوقيتات التي يريدها، إذ استهدف في مدينة الصدر على جانب الرصافة شرق بغداد في صباح يوم 11 أيار / مايو وفي مساء اليوم ذاته استهدف منطقتي الكاظمية (الشيعية) وحي الجامعة (السني) في جانب الكرخ غرب العاصمة.

وإزاء هذا الوضع، بات على النخب السياسية العراقيّة البحث عن خطط لتحصين المدن من هذه هجمات الإرهابية، إلا أن هذا لن يتم قبل ترتيب البيت السياسي والوصول إلى حل يضمن الاستقرار السياسي الذي يقود، بطبيعة الحال، إلى الاستقرار الأمني.

More from Omar al-Jaffal

Recommended Articles