تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الصندوق السياديّ السعوديّ... طموحات وتحديّات

أعلن وليّ وليّ عهد المملكة العربيّة السعوديّة الأمير محمّد بن سلمان آل سعود عن نيّة بلاده تأسيس صندوق ثروة سياديّ بهدف تنويع مصادر دخل الإقتصاد السعوديّ وتقليص اعتماده على النّفط مستقبلاً. ويقع على عاتق صنّاع السياسة السعوديّين اليوم إيجاد الإستراتيجيّة الأمثل لتحقيق هذه الأهداف بكفاءة.
The shadows of investors and speculators are seen cast on a screen as they monitor stock prices at the FALCOM investment bank in Riyadh August 5, 2014. Saudi Arabia is one of the last major markets in the world to open up, so the reform is attracting massive interest among international fund managers. But they will face an unusual and in some ways difficult trading environment. Picture taken August 5, 2014.  REUTERS/Faisal Al Nasser (SAUDI ARABIA - Tags: BUSINESS) - RTR42ECU

أعلن وليّ وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان آل سعود خلال مقابلة له مع وكالة "بلومبيرغ" في 4 نيسان/إبريل الجاري أنّ بلاده تستعدّ لإطلاق برنامج "التحوّل الوطنيّ" لتحضير إقتصاد المملكة لمرحلة ما بعد النّفط. ووفقاً للتصوّر، الّذي طرحه محمّد بن سلمان آل سعود خلال المقابلة، سيشمل البرنامج الجديد زيادة قيمة صندوق الاستثمارات العامّة من خلال إعادة هيكلة أصوله الماليّة وبعض الشركات المملوكة له حاليّاً.

لقد تأسّس صندوق الاستثمارات العامّة بمرسوم ملكيّ في 18 أغسطس/آب من عام 1971 برأسمال مقداره مليار ريال سعوديّ.(تبلغ قيمته 266 مليون دولار بأسعار اليوم). وكما نصّت المادّة الثانية من المرسوم "يخصّص الصندوق لتمويل الاستثمار من المشاريع الإنتاجيّة ذات الطابع التجاريّ، سواء كانت تابعة للحكومة أو لمؤسّسات الإقراض الصناعيّ المرتبطة بها أو المؤسّسات العامّة، وسواء كانت هذه المشروعات تنفّذ استقلالاً أو عن طريق مشاركة الجهات الإداريّة المذكورة لمؤسّسات خاصّة".

لعب الصندوق منذ تأسيسه دورا مهمّاً في تمويل المشروعات الحيويّة في المملكة مثل مشروعات التكرير والأسمدة والبتروكيمياويّات والكهرباء. وفي 22 يوليو/تموز من عام 2014، وافق مجلس الوزراء السعوديّ على منح الصندوق صلاحيّة تأسيس شركات جديدة داخل المملكة وخارجها بمفرده أو بمشاركة القطاعين العام والخاص، ومن دون الحاجة إلى الحصول على الموافقة المسبقة من مجلس الوزراء.

لا موقع إلكترونيّاً لصندوق الاستثمارات العامّة ولا تتوافر معلومات كافية عن الاستراتيجيّات الّتي يتّبعها في إدارة أصوله، ومن غير المعروف ما إذا كانت عوائد استثماراته تدخل الموازنة العامّة، لكنّ عمليّاته في الخارج شهدت خلال العام الماضي نشاطاً ملحوظاً، إذ وافق في 4 آذار/مارس من عام 2015 على شراء حصّة بقيمة مليار دولار في شركة "بوسكو" الهندسيّة الكوريّة الجنوبيّة. ووقّع في 25 يونيو/حزيران من عام 2015 على إتفاقيّة إطاريّة عامّة مع الحكومة الفرنسيّة لتشجيع الاستثمارات الماليّة والتجاريّة بين المستثمرين في البلدين (السعودية وفرنسا). وإضافة إلى ذلك، وقّع الصندوق في 7 يوليو/تمّوز من عام 2015 مذكّرة تفاهم مع صندوق الاستثمارات الروسيّة المباشرة لاستثمار 10 مليارات دولار في روسيا. وفقا لكيريل ديمتريف، رئيس صندوق الاستثمارات الروسية المباشرة، فقد أبدى السعوديون اهتماما في قطاعات الزراعة، الصحة، الخدمات اللوجستية والعقارات.

وتُعدّ شركة "أرامكو" النفطيّة العملاقة أحد أهمّ أهداف عمليّة إعادة هيكلة صندوق الاستثمارات العامّة. وكما أعلن محمّد بن سلمان ستسعى المملكة إلى طرح 5 في المئة من أسهم الشركة في السوق الماليّ السعوديّ بحلول عام 2017. وتأمل السعوديّة من خلال طرح شركة النّفط الأكبر في العالم للاكتتاب العام في وضع القواعد الأساسيّة لتحويل صندوق الاستثمارات العامّة إلى صندوقٍ سياديّ يساعد المملكة في تنويع مصادر دخلها الوطنيّ، بعيداً عن النفط الذي تُمثّل عوائده أكثر من 80 في المئة من الصادرات السعوديّة.

وأكّد الأمير محمّد بن سلمان أنّ "نقل أسهم أرامكو إلى صندوق الاستثمارات العامّة سيجعله الأكبر على وجه الأرض"، وقال: إنّ الكثيرين يقولون إنّ هذه الخطوة هي محاولة لتأمين السيولة لتغطية الحاجات الماليّة السعوديّة، لكنّ هدفها الحقيقيّ هو تنويع الدخل والاعتماد على الاستثمارات، بدلاً من النفط مستقبلاً.

وتوقّع أن تبلغ قيمة الصندوق أكثر من 2 تريليون دولار عند طرح "أرامكو" للاكتتاب العام.

وفي هذا المجال، قال الكاتب السعودي المتخصّص في الشؤون الإقتصاديّة السعوديّة أحمد الشهري في حديث لـ"المونيتور": "إنّ هذه الخطوة تعتبر قراراً صائباً لأنّ طرح أرامكو للاكتتاب العام سيساعد على نقل جزء من الثروة الوطنيّة إلى المواطنين السعوديّين. كما أنّ وجود أرامكو في السوق الماليّ السعوديّة سيزيد من عمق السوق وقوّته وسيرفع من مستوى ثقة المستثمر الأجنبيّ فيه".

واقترح أن"يتمّ تأسيس بنوك استثماريّة مناصفة بين الصندوق السياديّ والمستثمرين الأجانب على أساس تقاسم المخاطر والأرباح، بحيث تكون استثماراتها موجّهة لتمويل القطاع الصناعيّ والتجاريّ والسياحيّ، وترك البنوك الحاليّة لتؤدّي دور التمويل المصرفيّ العاديّ للأفراد والعقار وتمويل التجارة الخارجيّة، لأنّ هذا النموذج سيكون عامل جذب للشركات الأجنبيّة لدخول السوق السعوديّ".

أضاف: "إنّ صنّاع القرار السعوديّين يجب أن يحذروا في اختيارهم للأصول الاستثماريّة للصندوق الجديد من خلال الابتعاد عن المشتقّات الماليّة العالية المخاطر بسبب مناخ الركود السائد في الإقتصاد العالميّ وانخفاض أسعار الفائدة، والتركيز على المشروعات ذات التدفقات النقديّة الحقيقيّة مثل مشروعات صناعة الأدوية والعقارات، واستثمار نصف أموال الصندوق في مشروعات محليّة لخلق وظائف جديدة تساعد على حلّ مشكلة البطالة".

ورغم ذلك، إنّ اختيار الاستراتيجيّة الملائمة لتوزيع استثمارات الصندوق الجديد بين الأصول العالية المخاطر والمنخفضة المخاطر أو بين الاستثمارات المحليّة والعالميّة ليس التحدّي الوحيد الّذي يواجه صنّاع القرار السعوديّون.

ومن جهتها، قالت الخبيرة في صناديق الثروة السياديّة من قسم السياسة والعلاقات الدوليّة في جامعة "أكسفورد" الدكتورة أنجيلا كيومين في حديث لـ"المونيتور": "إنّ المفتاح لتأسيس وإدارة صندوق سياديّ فعّال وكفء هو وضع إطار تنظيميّ وقانونيّ يُحدّد أهدافه ووظائفه في شكل واضح، وإنّ الوكالات الحكوميّة السعوديّة المسؤولة عن تحديد صلاحيّات الصندوق ومراقبة أدائه لا يجب أن تكون ذاتها الوكالات الّتي ستدير عمليّاته اليوميّة واستثماراته المختلفة".

وأعطت أنجيلا كيومين مثالاً عن النموذج الصينيّ، حيث يتنافس كل من البنك المركزيّ الصينيّ وشركة الاستثمارات الصينيّة على استثمار الاحتياطيّات الماليّة الضخمة بطرق متضاربة أحياناً، وقالت: "هذه الاحتماليّة قائمة في الحال السعوديّة، فقد تشعر مؤسّسة النقد العربيّة السعوديّة (ساما) الّتي تدير ثالث أكبر صندوق للاحتياطات النقديّة عالميّاً بالمنافسة مع الصندوق الجديد، وهو ما يتطلّب أن تصمّم مهمّات وصلاحيّات الصندوقين بطريقة تجعلهما يتكاملان، بدلاً من أن يتنافسا في ما بينهما".

أضافت: "نظراً لأنّ إقتصاد المملكة ما زال يعتمد في شكل كبير على النفط، فإنّ الحاجة إلى تنويع مصادر الدخل قد تتطلّب التركيز على الأصول الاستثماريّة غير المرتبطة بالسلع النفطيّة والاستفادة من تجربة صندوق "مبادلة" التابع لحكومة أبو ظبي، الّذي يسعى إلى توليد عوائد إقتصاديّة وإجتماعيّة من خلال الاستثمارات المحليّة".

باتت صناديق الثروة السياديّة في السنوات الأخيرة تلعب دورا متزايداً في إدارة الفوائض الماليّة لبلدان مختلفة حول العالم. وازدادت أهميّة هذه الأداة في شكل خاص بالنّسبة إلى البلدان الغنيّة بالموارد الطبيعيّة، وذلك بهدف تنويع إقتصادها وحمايتها من تذبذبات أسعار النفط وتوفير مدّخرات كافية لحاجات الأجيال المستقبليّة. ومع أنّ الخطوة السعوديّة الأخيرة لتأسيس صندوق سياديّ جديد تبدو إيجابيّة، إلاّ أنّها ستبقى غير كافية من دون وضع استراتيجيّة شاملة تحدّد بدقّة وظائف هذا الصندوق وصلاحيّاته وإجراءات الحوكمة الّتي سيُدار من خلالها. وإضافة إلى ذلك، هناك حاجة إلى أن تتكامل أهداف الصندوق مع أهداف إيجاد قاعدة إقتصاديّة محليّة للتنمية المستدامة وتحقيق إصلاحات حقيقيّة في الماليّة العامّة السعوديّة لضمان الاستفادة المُثلى من هذه الخطوة على المدى البعيد.

More from Rami Khrais

Recommended Articles