لم يلجأ إلى شعارات رنّانة عن وحدة وطنيّة ربّما لم يذكرها في أيّ حديث له، فهو يؤمن أنّ السعادة الحقيقيّة تستمدّ من سعادة الآخرين. استغلّ موهبته وعمله كخطّاط في توطيد علاقاته بجيرانه المسلمين، فتجده يعمل جاهداً في رسم أسماء الله الحسنى لهم، بحثاً عن ابتسامة مرسومة على وجوهه، ولم يهتمّ لمعارضة المتعصّبين من أبناء ديانته أو المختلفين معه في العقيدة. يتذكّر الخطّاط القبطيّ فايز يوسف المعروف في منطقته في حيّ البصاص غرب محافظة المنيا بتخصّصه في تزيين المساجد ونقش أسماء الله الحسنى وكتابة الآيات القرآنيّة، أحد المواقف الصعبة التي تعرّض إليها عندما رفضت إحدى السيّدات أن يكتب آية قرآنيّة، ويحمل مصحفاً في يده لتصرخ في وجهه قائلة: "هذا كتاب الله لا يحمله إلّا الطاهرون"، ليصمت يوسف وقتها من وهلة الصدمة، ويفكّر للحظات أن تكون هذه الآية القرآنيّة التي كان ينوى رسمها الآية الأخيرة التي يكتبها في حياته، لكنّ زملاءه المسلمين الذين شاهدوا الموقف رفضوا ذلك وأصرّوا على أن يكمل ما عزم عليه، وأكّدوا له أنّ الأديان تجمع لا تفرّق، والتطرّف لا يجب أن يلتفت إليه طالما يفعل ما يسعد الآخر، ليرضخ يوسف إلى مطلبهم، لأنّه يدرك أنّ السعادة هي قبول الآخر.
يقول يوسف في حديثه إلى "المونيتور" إنّه "يشعر بالسعادة عندما يرى في عيون جيرانه وأصدقائه المسلمين نظرات الإعجاب والحبّ، وهم يشاهدونه يكتب لهم لوحة مرسومة عليها آيات قرآنيّة أو أسماء الله الحسنى، وقتها يقرّر أن يتنازل عن أجره مكتفياً بسعادته وحبّ الآخرين له".
بدأ ويسف احتراف مهنة الخطّاط عندما التحق بالقوّات المسلّحة، حيث اختير في فرقة عسكريّة متخصّصة في كتابة اللوحات والمستندات الخاصّة بالقادة. استغلّ فترة تجنيده في تطوير موهبته في الكتابة، وتعلّم أنواع الخطّ العربيّ والاطّلاع على الكتب والمراجع كافّة التي تثقل تلك الموهبة. وبعد انتهاء تلك الفترة، قرّر الخطّاط القبطيّ أن يحترف تلك المهنة، لكنّ ضيق حاله كاد أن يطيح بمخطّطه، فلم يكن يملك مقرّاً لعمله، فقرّر أن يعمل كخطّاط بأقلّ الإمكانات وأكثرها بساطة، فأحضر مكتباً صغيراً وجلس أمامه في شارع الحسيني في المنيا، وتحمّل كلّ الصعوبات من أجل مهنة عشقها، وذاع صيته بين طلّاب الجامعات وأهالي مدينته بعدما لمسوا فيه الموهبة والإبداع والأمانة وحبّه للآخرين.
يتحدّث يوسف عن تجربته الأولى في تزيين المساجد قائلاً: "جاءني أحد الأصدقاء المسلمين يطلب إليّ تزيين مسجد جديد وقتها ونقش أسماء الله الحسنى على جدرانه. شعرت بقلق خوفاً من أيّ ردّ فعل غاضب يصدر من أحد المسلمين، لكنّ هذا الصديق أصرّ، خصوصاً أنّني أهديته عدداً من اللوحات المرسومة عليها آيات قرآنيّة مرّات كثيرة. وبالفعل، بدأت في تزيين مسجد سيف نصر وحرصت على اتّباع الطقوس كافّة التي يتّبعها المسلمون في المساجد مثل خلع الأحذية داخلها، وعدم التحدّث بصوت مرتفع. وكنت مقتنعاً بأنّه ينبغي احترام المسجد لأنّه من بيوت الله، وكنت مسار اهتمام المصلّين في المسجد وإعجابهم عندما كنت أرسم على جدرانه أسماء الله الحسنى. وبعد انتهاء عملي، لم أتحدّث مع أحد عن أجر، لكنّ القائمين على إدارة المسجد أصرّوا، وقبلت الأجر ولم أسال عن قيمته لأنّ الأجر الحقيقيّ كان سعادتي بتجربتي الأولى في تزيين مسجد".
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.