تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل تجذب استثمارات قطر في الأهرامات القديمة السياح إلى السودان؟

تجمع علماء الآثار من جميع أنحاء العالم في السودان للكشف عن أهرامات البلد المنسية وذلك بتمويل من قطر.
Meroe.JPG

البجراوية، السودان – تنتشر بقايا معقل المملكة المروية القديمة (حوالي القرن الثامن قبل الميلاد إلى القرن الرابع) على سلسلة من القرى تعرف باسم البجراوية وتقع على بعد 250 كيلومترا من العاصمة السودانية، الخرطوم، باتجاه الشمال. وفي حين تقترن عبارة الأهرامات بمصر، إلا أن هذه المنطقة الرملية هي منزل أقل شهرة للكثير من الأهرامات الرائعة في السودان.

استمدت الحضارة المروية اسمها من اسم مقر حاكمها، أي مروي رويال سيتي، علما أن المقابر الملكية تقع شرق هذا المقر. وتهيمن ثلاث مجموعات من الأهرامات على المشهد هنا: الأهرامات الشمالية والأهرامات الجنوبية التي تم تشييدها للاعتقالات الملكية، والأهرامات الغربية التي تم تشييدها للنبلاء والنخب. ولطالما أثارت هذه الهياكل اهتمام العلماء والمسافرين، علما أن العديد منها يحمل إلى يومنا هذا العلامات المدمرة الناتجة عن محاولات أوروبية للسعي إلى الكنز، إلا أنها كانت مهجورة كليا في القرن الماضي بعد أن كان الأمريكي جورج ريزنر وزميله السوداني سعيد أحمد آخر علماء الآثار الذين قاموا بأعمال تنقيب في الموقع في أوائل القرن عشرين.

أما مؤسسة متاحف قطر، فقد قامت برعاية المنظمة الطموحة لتنمية الآثار النوبية في أواخر عام 2013 فدشنت 39 مشروعا أثريا تحت إشراف المشروع الأثري القطري السوداني. وقد حصل كل من هذه المشاريع على تمويل بقيمة 135 مليون دولار – مبلغ تمويل غير مسبوق - لإجراء بحوث على مدى فترة خمس سنوات. أما هذا العام فقد أطلق المشروع الأثري القطري السوداني مشروعه الـ40، ألا وهو البعثة القطرية لأهرامات السودان، علما أن فريقا متعدد الجنسيات يعمل اليوم في أهرامات البجراوية، التي تعد تراثا عالميا بحسب تصنيف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) والمعلم الأثري الأكثر شهرة في السودان.

وبعد أن كانت أعمال البعثة القطرية لأهرامات السودان تحت إشراف محمود سليمان البشير والكسندرا ريدل مقتصرة على أعمال خالية من الحفر، مثل الجيوفيزياء، وقياس التدرج المغنطيسي، والقياس المغنطيسي ومسح الأراضي، إلا أنها اليوم في صدد إجراء حفريات اختبارية لاكتشاف ميزات جديدة في هذا المشهد القديم. ويكتسب عمل علماء الآثار في الهرم 9 أهمية خاصة، علما أنه هرم ينتمي إلى عهد الملك أركماني، أي إلى القرن الأول قبل الميلاد.

وفي حين تم نهب كافة آثار الأهرامات، يبدو أن الآثاريون الأوروبيون الذين زاروا الأهرامات في القرن التاسع عشر كانوا يجهلون وجود قنوات مقابر جوفية تمتد على أمتار من الهرم لجهة الشرق. وخلافا لأهرامات الجيزة الشهيرة في مصر، إن هذه القنوات تؤدي إلى حجرة الدفن في حين تمتلئ الإنشاءات الفوقية بالأنقاض.

لكن في أوائل القرن العشرين، عندما أجرى ريزنر عمله الميداني الابتكاري، كان مدركا لوجود قنوات مقابر، حتى أنه استخدمها لتفريغ فائض المواد المستخرجة. إلا أنه لا يمكن استخدام هذه الغنيمة لإنشاء تسلسل زمني عن طريق تحليل طبقات طبقية لأنها مادة مقتطعة. لكن يمكن استخدام المواد العضوية التي يتم العثور عليها لتحديد تاريخ القبر بشكل محدد.

باول وولف، الخبير الأثري الاستشاري من معهد الآثار الألماني، قال للمونيتور أن عمل البعثة سيكشف بدقة للمرة الأولى عن تاريخ المدافن المروية، «ما يسمح بالرد على أسئلة زمنية أساسية.» علاوة على ذلك، وبالنظر إلى التاريخ المرجح لعهد الملك أركماني، قد تسلط المواد الضوء على الحروب التي دارت بين المرويين والحكام الرومان الذين حكموا مصر وسعوا مرارا وتكرارا للتوجه إلى الجنوب لكنهم لم يفلحوا في السيطرة على الأرض القاسية التي تشكل السودان اليوم.

إن فكرة تمويل فرق أثرية في السودان، وبالتالي بدء عمل بهذا الحجم والأهمية، كانت فكرة الشيخ حسن آل ثاني، نائب رئيس مؤسسة متاحف قطر. ولكن ما السبب الذي قد يحث مشيخة الخليج العربية على تأسيس هذه المؤسسة، خصوصا أنه لم يكن هناك حفريات في الموقع لمدة قرن تقريبا؟

قال صلاح الدين م. أحمد، المنسق العام للمشروع الأثري السوداني القطري والبعثة القطرية لأهرامات السودان، للمونيتور: «لطالما شجع القطريون المتاحف. وهم يشجعوم الفن بشكل عام ... وأعتقد أن الدافع الحقيقي لجزء كبير من المشروع هو ترويج الثقافة.» فالتحقيق الأثري ليس سوى هدفا واحدا من أهداف البعثة القطرية؛ أما حفظ الموقع وإدارته، والسياحة والتنمية فهي ملامح رئيسة أخرى للمشروع. أي أن الهرم 9 يضيف من أهمية هذه الأهداف. وتظهر سجلات ريزنر أنه يضم نقوش مرسومة ومحفوظة بشكل جيد وهي مثيرة للإعجاب في أبعادها إذ يبلغ طول المدافن 35 مترا فيما يبلغ عمقها 10 أمتار وعرضها 4 أمتار، ما يجعلها من أعمق المدافن في المقبرة. وقد شجعت هذه الصفات الفريدة البعثة على عرض قنوات المقابر على المواطنين والسماح للسياح بدخول حجرة الدفن. وإلى جانب العمل الذي قام به فريدريك دبليو هينكل، الذي أعاد بناء عدد من الهياكل الهرمية التالفة والمصليات المحملة بالنقوش من 1975 إلى 2005، سيعزز ذلك التجربة السياحية ويحسن فهم الهندسة المعمارية للمدافن المروية.

في تصريح للمونيتور، قال أحمد إن «الخطة تهدف إلى تقديم الحضارة المروية إلى العالم بما يتضمن حقول الأهرام الجنوبية والشمالية والغربية وأيضا المروية.»

المهمة الأولى هي معالجة عدد من العوامل البيئية والمناخية وعوامل من صنع الإنسان التي أدت إلى تراكم العديد من الكثبان الرملية الكبرى في حقول الأهرام على مر العقود الماضية. وفي حين قد تضف هذه الكثبان بالنسبة للبعض طابعا صوفيا إلى الموقع، فهي مدمرة بشكل كبير لسلامة الهياكل - المصنوعة من الحجر الرملي النوبي الهش - ولديكور النقوش الفريد من نوعه.

إن عرض الموقع هو عنصر أساسي لجذب السياحة المحلية والدولية، ويكمن هدف البعثة المباشر في إفراغ المقبرة الشمالية من الرمل لتسهيل حركة السياح في جميع أنحاء الموقع.

بالتوازي مع هذا المشروع، إن فريق البعثة في صدد خلق نموذج عمل يمكن استخدامه في أي مكان آخر، وتمتد صلاحيات الفريق لتشمل كافة المواقع التي تحتوي على الأهرام في السودان: جبل البركل (الموقع التراثي العالمي الثاني في السودان بحسب تصنيف اليونسكو)، الكرو ونوري – علما أنها مواقع وجدت قبل أهرامات البجراوية.

وقال أحمد للمونيتور «طموحنا هو خلق موقعا مثاليا يحلم الملايين من السياح حول العالم بزيارته، وذلك بالتضامن مع مروي رويال سيتي.»

يستحق تراث سودان الثقافي الغني هذا المستوى من الاهتمام، كما أن المجتمعات المحلية الريفية المحيطة بالأهرامات في حاجة ماسة للعملة الصعبة التي يجلبها السياح.

لطالما كانت أعداد السياح في السودان منخفضة بالمقارنة مع جارتها الشمالية مصر، التي من المتوقع أن يزورها هذا العام أكثر من 10 ملايين سائح أجنبي. ويتوقع مجلس المشاريع العالمية للسفر والسياحة أن 912000 سائح فقط سيزور البلد هذا العام – وهو عدد يكاد لا يكفي لكي تستفيد المجتمعات المحلية من السياحة بشكل كبير.

في تصريح للمونيتور، قال بشير، المدير المشارك في البعثة، «نريد إشراك المجتمع المحلي في خطة إدارتنا لكي يستفيد من الموقع.» ويبدو أنه كان لهذا النهج بعض التأثير.

أما فديّا أحمد، بائعة الهدايا التذكارية التي عملت بالقرب من الأهرامات لأكثر من 10 أعوام، فقالت للمونيتور إنها بدأت تشعر بالاطمئنان إزاء مستقبلها. «أتذكر عندما عمل هينكل هنا... كنا متحمسين لعمله. إن شاء الله، سيستفيد السودان من هذا المشروع الجديد وسيندفع السياح من مختلف البلدان للتعرف على تاريخ السودان.»

More from Rebecca Bradshaw

The Middle East in your inbox

Deepen your knowledge of the Middle East

Recommended Articles