تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

أهالي الشهداء: الإحتلال أجبر أولادنا على الاستشهاد

بين مؤيّد ومعارض، انقسم الفلسطينيّون حول جدوى مشاركة الأطفال في عمليّات مقاومة الإحتلال، فمنهم من رفضها وطالب بوقف "زجّهم" بهذه العمليّات، في حين يعتقد البعض أن توجّه مشاركتهم هو ردّة فعل على ممارسات الإحتلال للقتل والإعتقالات والحواجز.
A Palestinian protester uses a slingshot to hurl stones towards Israeli troops during clashes near the border between Israel and Central Gaza Strip October 20, 2015. A three-week-old uprising by knife-wielding, Internet-generation teenagers against Israelis has left 80-year-old Palestinian President Mahmoud Abbas looking like yesterday's man, unable either to oppose the violence or openly endorse it. REUTERS/Ibraheem Abu Mustafa - RTS5APW

رام الله، الضفة الغربيّة - "أشرقت حينما خرجت من المنزل، كانت في ظنّي ذاهبة إلى المدرسة، إذا قرّر الشاب القيام بعمليّة من الصعب منعه، ولو كان لدى الأهالي شكوك، فهو قرار فرديّ من الصعب السيطرة عليه"، هكذا قال طه القطناني، وهو والد الشهيدة أشرقت قطناني (16 عاما) الّتي استشهدت على حاجز حوارة - جنوب نابلس في 22 تشرين الثاني/نوفمبر الفائت بعد محاولتها تنفيذ عمليّة طعن، في تعليقه على الجدل الّذي دار أخيراً في الشارع الفلسطينيّ حول جدوى مشاركة الأطفال في عمليّات مقاومة الإحتلال.

وقال القطناني لـ"المونيتور": "كنت ممّن يعارض إنخراط الأطفال بهذه العمليّات وذهابهم إلى الحواجز، وأقول ذلك علانيّة ومن على منابر المسجد خلال خطب الجمعة، ولكن بعد استشهاد أشرقت وجدت نفسي مضطرّاً للإنحياز لخيارها والدفاع عنه، وأن أكون بحجم البطولة الّتي قدّمتها".

يعمل القطناني خطيباً في مسجد عسكر للاّجئين في شرق نابلس حيث يسكن أيضاً، وهو يعتقد أنّه كان على خطأ حينما ظنّ أنّه يمكن عزل الأطفال عن محيطهم، إذ قال: "إبنتي تأثّرت بما يجري من قتل، فالأطفال جزء من الواقع الّذي نعيشه، وخرجت بهذه العمليّة الّتي لم يكتب لها النجاح واستشهدت على أثرها".

ورأى أنّ الخوض بهذا النقاش حول جدوى مشاركته الأطفال في العمليات المقاومة من عدمها إساءة له كوالد شهيدة وللعائلة ولإبنته أيضاً، وفيه محاولة لإخلاء مسؤوليّة إسرائيل الّتي تقتل هؤلاء الأطفال، وقال: "أردّ عليهم بالقول لو أنّ الكبار ناضلوا ما احتاجت أشرقت للخروج من بيتنا، ولو كان من الكبار من يدافع عنهم لما اضطرّ الصغار للقيام بهذه العمليّات الفرديّة".

أضاف: "من المعيب أن يعتقد البعض أنّ حياة أبنائنا أعزّ عليهم منّا، هذه ابنتي تربطني بها علاقة عضويّة وحياتيّة ومعيشيّة، وفجأه استشهدت. لم يكن الأمر سهلاً على الإطلاق، ولكن حزني عليها لا يمنع أن أحترم خيارها، وأن أوصل رسالتها إلى كلّ العالم".

ما اعتبره والد أشرقت إهانة له ولإبنته هو دعوات أطلقها بعض الشخصيّات الفلسطينيّة (إعلامية وقانونية وثقافية ...)عبر مواقع التواصل الإجتماعيّ لوقف ما أسموه "زجّ الأطفال بعمليّات المقاومة"، مما خلق جدلاً حول الرأي الموافق، والآخر المعارض لمشاركة الأطفال والنقاش حول هذه المشاركة للخوض في هذا النقاش.

إنّ الإعلاميّ محمّد رجوب (36 عاماً) كان من الأوائل الّذين كتبوا، داعياً إلى "عدم الزجّ بالأطفال بهذه العمليّات"، وكانت إحدى هذه الكتابات ما جاء على صفحته على "فيسبوك"، حين كتب في 22 تشرين الثاني/نوفمبر الفائت: "لكي لا نبقى نتألّم وحدنا.. انتبهوا لأطفالكم... بعد 50 يوماً على الأحداث الراهنة، لم تتجرّأ بعد الأغلبيّة الصامتة على التّعبير عن رأيها بمعارضة تنفيذ أطفالنا لعمليّات طعن... وأستنتج أنّ الأغلبيّة ترفض ذلك من انطباعاتي الذاتيّة، وبحكم عملي وأنا أقابل الكثيرين في كلّ يوم، وقد أكون مخطئاً".

لقد كتب رجوب أكثر من منشور على صفحته، وخلال حديثه لـ"المونيتور" شرح السبب الّذي دعاه إلى هذا الموقف، مشيراً إلى أنّ ما دفعه إلى التحرّك هو متابعته لقصص هؤلاء الأطفال، وتحديداً الشهيدة هديل عوّاد ( 14 عاما) من مخيّم قلنديا، والّتي استشهدت أثناء محاولتها طعن أحد المستوطنين في القدس المحتلّة في 23 تشرين الثاني/نوفمبر الفائت، وقال: "أنا وجّهت صوتي للأهالي لينتبهوا لأطفالهم، فأخلاقيّاً لا يجوز إشراكهم في الأعمال العسكريّة، ووطنيّاً هذا ليس دورهم، وإنّما دورهم هو على مقاعد الدراسة".

وأردف رجوب: "نحتاج إلى حملة توعية شاملة يشارك فيها جميع فئات المجتمع، الأهالي والمدارس والإعلام".

إنّ الشهيدة هديل، الّتي كانت المحرّك لرجوب، كان دافعها القيام بعمليّة بحسب والدتها (مليحة عواد 55عاما)، إنتقاماً لاستشهاد شقيقها محمود الّذي قتلته قوّات الإحتلال (القوات الإسرائيلية) في 28 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2013 خلال اقتحامها مخيّم قلنديا - شمال القدس، وقالت والدتها لـ"المونيتور": "هديل كانت الأقرب إلى محمود، ومنذ استشهاده وهي في حال حزن دائم عليه".

وأيّد مدير الهيئة المستقلّة لحقوق الإنسان الدكتور عمّار دويك ما ذهب إليه رجوب، إذ أشار إلى أنّ الأطفال رغم كل ّالتجارب الّتي يمرّون بها لا يدركون عواقب أفعالهم، وهم الأكثر حساسيّة تجاه ما يجري حولهم"، وقال لـ"المونيتور": "يجب التركيز على أنّ من يتحمّل المسؤوليّة عن قتل الأطفال هو الإحتلال، وهذا الموقف لا يعفي الإحتلال من دوره كمجرم ومسؤول عن قتلهم من دون أن يشكّلوا أيّ خطر حقيقيّ عليه".

ولكن هذا لا يعفي المجتمع من مسؤوليّاته تجاه الأطفال، برأي عمّار دويك، فعلى الأهالي والأحزاب والمؤسّسات فتح حوار معهم لتوعيتهم وتجنّب تمجيد أفعالهم حتّى لو كانت بطولة وتخصيص أوقات للتفريغ النفسيّ في المدارس والتركيز على أنّ دورهم هو الدراسة. وهذا الموقف، كما قال دويك، هو نتيجة إيمانه بأنّ "كلّ عمل يقوم به الأطفال يعرّض حياتهم للخطر الحقيقيّ".

ورأى أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة بيرزيت الدكتور علاء العزّة أنّ هذه الدعوات مبالغ فيها، خصوصاً أنّ نسبة الأطفال الّذين حاولوا تنفيذ عمليّات لا تتجاوز خمس (خُمس) الشهداء، الّذين بلغ عددهم 125 منذ تشرين الأوّل/أكتوبر الفائت وحتّى 16 كانون الأوّل/ديسمبر، ومن بينهم 25 طفلاً، وقال لـ"المونيتور": "العنف الإستعماريّ الّذي يعيشه الفلسطينيّون مرئيّ جدّاً للأطفال ومن الصعب إخفاؤه فهم يدركون جيّداً ماذا يفعلون وخطورة هذه الخطوة ونتائجها، وهو نابع من إدراك ووعي كامل وهو وعي إراديّ وليس تضليليّاً من قبل حزب أو نتيجة تحريض".