تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الفلسطينيّون يتحضّرون لـ"السور الواقي 2"

تدخل الإنتفاضة شهرها الثالث، ولم يجد الإسرائيليّون حلاًّ فوريّاً لوقف الهجمات الفلسطينيّة، رغم سقوط أكثر من 100 قتيل فلسطينيّ وإصابة الآلاف، ممّا دفع بعدد من الوزراء الإسرائيليّين إلى مطالبة الحكومة والجيش بالذهاب لتنفيذ عمليّة عسكريّة كبيرة في الضفّة الغربيّة على غرار عمليّة السور الواقي الّتي تمّ تنفيذها في عام 2002، وهو ما يفسح المجال للتعرّف على مدى تحقّق هذه الفرضيّة وجدواها الأمنيّة والعسكريّة.
Israeli soldiers take part in an urban warfare drill inside a mock village at Tzeelim army base in the Negev Desert June 30, 2009. REUTERS/Amir Cohen (ISRAEL MILITARY POLITICS) - RTR256XX

ما زالت الهجمات الفلسطينيّة تتواصل حتّى هذه اللّحظة منذ اندلاعها في يوم 1 تشرين الأوّل/أكتوبر، وتتّخذ أشكالاً عدّة من الطعن بالسكاكين والدهس بالسيّارات، وصولاً إلى إطلاق النار على مركبات المستوطنين في الضفّة الغربيّة من دون توقّف، رغم الجهود العسكريّة الإسرائيليّة لمحاولة وقفها أو الحدّ منها، ممّا دفع ببعض الساسة والعسكريّين الإسرائيليّين إلى الحديث في 24 تشرين الثاني/نوفمبر عن احتمال تنفيذ عمليّة جديدة من السور الواقي في الضفّة الغربيّة في الأسابيع القليلة القادمة دون تحديد موعد دقيق، لكنه مرهون باستمرار الهجمات الفلسطينية.

فاتورة الدم

لقد سبق للجيش الإسرائيليّ أن نفّذ العمليّة الأولى من السور الواقي بين 29 آذار/مارس و21 نيسان/أبريل من عام 2002، وشملت اجتياح كلّ المدن في الضفّة الغربيّة، عقب زيادة العمليّات المسلّحة الفلسطينيّة ضدّ الإسرائيليّين التي أسفرت عن سقوط مئات القتلى الإسرائيليين في عمليات تفجيرية وانتحارية داخل المدن الإسرائيلية، ونجمت العملية العسكرية الإسرائيلية عن مقتل العشرات من الجنود الإسرائيليين والمئات من الفلسطينيين، وانخفاض ملموس في عدد الهجمات الفلسطينية، ومصادرة كميات كبيرة من أسلحة السلطة الفلسطينية، وتدمير الجيش الإسرائيلي للمقاطعة، مقر قيادة السلطة الفلسطينية في رام الله، وعزل ومحاصرة رئيسها ياسر عرفات، واعتقال المئات من المطلوبين الفلسطينيين.

وقدّم مدير مركز "القدس للدراسات الإسرائيلية" في رام الله علاء الريماوي لـ"المونيتور" ما اعتبرها "حصاد الإنتفاضة للشهرين الأخيرين، وتمثّلت بمقتل 22 إسرائيليّاً وإصابة 300 آخرين في 8 عمليّات هجوميّة فلسطينية، سواء بإطلاق نار أو عمليات طعن أو دهس بالسيارات، وألقى الفلسطينيون الحجارة على سيارات المستوطنين والجنود في 22 نقطة مواجهة في الضفة الغربية والقدس مع الجيش الإسرائيليّ، وألقوا 594 زجاجة حارقة".

تبدو هذه الإحصائيّات ثقيلة على إسرائيل، وغير مسبوقة بالنّسبة إليها منذ الإنتفاضة الأولى في عام 1987، الّتي شهدت سقوط 160 قتيلاً، ثمّ ارتفعت خسائرها البشريّة خلال الإنتفاضة الثانية في عام 2000، وشهدت ظاهرة العمليّات التفجيريّة الإنتحاريّة، وأسفرت بين عامي 1994-2004 عن سقوط ما يزيد عن 1000 قتيل إسرائيلي.

ولعلّ زيادة الهجمات الفلسطينيّة وارتفاع فاتورة الدم الّتي يدفعها الإسرائيليّون يوميّاً، دفعا بأصوات إسرائيليّة إلى تنفيذ عملّية سور واقٍ جديدة في الضفّة الغربيّة، ومنها صوت رئيس المجلس الإقليمي لمستوطنة غوش عتصيون دافيد بيرل في 22 تشرين الثاني/نوفمبر ووزير التّعليم الإسرائيليّ نفتالي بينيت في 23 تشرين الثاني/نوفمبر. وأشار المعلّق العسكريّ الإسرائيليّ عاموس هارئيل في 27 تشرين الثاني/نوفمبر إلى أنّ "اجتياح الجيش الإسرائيليّ لمنطقة الخليل في الضفة الغربية، مسألة وقت فقط، وسيحصل عاجلاً أم آجلاً، تحت ضغط قادة اليمين الإسرائيليّ".

ومن جهته، قال المتحدّث الرسميّ باسم "حماس" حسام بدران لـ"المونيتور": "الحديث عن سور واقي 2 كلام يردّده ساسة إسرائيليّون للمزايدة على الحكومة الإسرائيليّة واتّهامها بالفشل أمام الإنتفاضة، رغم أنّ الجيش لا يتشجع لهذه الخطوة، لأنه لا يراها ردّاً عسكريّاً واقعيّاً على الانتفاضة، وإذا أقدمت إسرائيل على تنفيذ العمليّة، فستدخل أطراف جديدة للمواجهة ضدّها كعناصر فتح والأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة، ممّا سيزيد وتيرة الإنتفاضة، ولن يضعفها أبداً".

ربّما يعتقد الإسرائيليّون المطالبون، بأنّ تنفيذ عمليّة سور واقٍ جديدة ضروريّة في ظلّ وجود بنية تحتيّة فلسطينيّة شعبية وسياسية من مختلف الفصائل، للتّحريض على تنفيذ العمليّات تتمثل في المساجد والإذاعات المحليّة، وكما نجحت عمليّة السور الواقي الأولى بوقف ظاهرة العمليّات الإنتحاريّة، فإنّ القيام بعمليّة مشابهة كفيل بالقضاء على العمليّات الحاليّة المتمثلة بعمليات الطعن والدهس، رغم أنّ الظروف مختلفة في الحالين لدى الفلسطينيين، فمن الناحية السياسيّة لا تعلن السلطة الفلسطينيّة برئاسة الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس دعمها للهجمات ضدّ الإسرائيليّين، كما كانت عليه الحال في زمن الرئيس الراحل ياسر عرفات. وتواصل الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة تنسيقها الأمنيّ مع نظيرتها الإسرائيليّة، في ظلّ الإنتفاضة الحاليّة، ممّا يفترض أن يعفي إسرائيل من توريط جيشها في عمليّة عسكريّة لا جدوى عملياتيّاً ميدانيّاً منها.

أهداف سياسيّة

إنّ الدعوات الإسرائيليّة إلى تنفيذ عمليّة سور واقٍ جديدة في الضفّة، لاقت ردود فعل فلسطينيّة، فأصدرت وزارة الخارجيّة الفلسطينيّة بياناً في 24 تشرين الثاني/نوفمبر، حصل "المونيتور" على نسخة منه، دانت فيه ما أسمتها التّصريحات الإسرائيليّة "العنصريّة" المطالبة بشنّ عمليّة سور واقٍ جديدة.

وأعلن الأمين العام للمبادرة الوطنيّة الفلسطينيّة مصطفى البرغوثي في 24 تشرين الثاني/نوفمبر أنّ إسرائيل أطلقت، دون أن تعلن رسميا بدء عملة سور واقي2، يدّ جيشها في الأراضي المحتلّة لدخول كلّ القرى والبلدات، وبدأت حملة اعتقالات واسعة، ممّا يعني أنّها شرعت فعليّاً، وبدأت بعمليّة اجتياحات شاملة لأرجاء الضفّة الغربيّة، أسفرت عن اعتقال حوالي 2500 فلسطيني كما أعلن ذلك نادي الأسير الفلسطيني يوم 1 كانون أول/ديسمبر.

يراقب الفلسطينيّون القلق لدى الإسرائيليّين مع تزايد هجمات السكاكين وعمليّات الدهس، بسبب غياب الأمن في شوارعهم ومحلاّتهم ونواديهم، في ضوء قدرة المهاجمين الفلسطينيّين على الوصول إلى أهدافهم بين يوم وآخر.

ومن جهته، قال أستاذ العلوم السياسيّة بجامعة النجاح في نابلس عبد الستّار قاسم لـ"المونيتور": "إسرائيل تحتلّ الضفّة الغربيّة منذ 1967، والقيام باجتياحات واسعة سيزيد الوضع تعقيداً، ولن يؤدّي لوأد الإنتفاضة، لأنّ الهجمات الفلسطينيّة فرديّة، واجتياح الضفّة لن يمكّن إسرائيل من تحديد أهدافها، أو يوفّر معلومات مسبقة عن المنفّذين".

ربّما تواجه إسرائيل إذا قرّرت فعلاً تنفيذ عمليّة سور واقٍ جديدة في الضفّة الغربيّة مشكلة ميدانيّة تتمثّل بعدم وجود خلايا مسلّحة قائمة، وليس هناك قوائم بأسماء مطلوبين فلسطينيّين ناشطين في العمليات المسلحة، لأجهزتها الأمنيّة، نظرا للاعتقالات الدائمة التي تشنها إسرائيل والسلطة الفلسطينية أولاُ بأول ضد أي ناشط فلسطين مسلح، ولذلك، قد تزجّ بقوّاتها العسكريّة من دون وجود هدف واضح تبحث عنه.

More from Adnan Abu Amer

Recommended Articles