تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الشباب التركي يعيد إحياء القهوة التركية

بعدما كانت ثقافة القهوة العريقة في تركيا على وشك السقوط في غياهب النسيان، عادت لتنبعث مجدداً على يد جيل جديد ونابض بالحياة من روّاد الأعمال والمستهلكين الشباب.
A waiter carries two cups of Turkish coffee at a coffee shop in Istanbul October 19, 2007. Turks are turning their backs on traditional Turkish coffee as they acquire a taste for the cappuccinos and espressos served at global coffee chain outlets opening up across this economically booming Muslim country. Picture taken October 19, 2007. To match feature TURKEY-COFFEE      REUTERS/Osman Orsal   (TURKEY) - RTX7D

غالباً ما تؤدّي التكنولوجيا إلى تدمير التقاليد. لكن في ما يتعلق بالقهوة التركية، يبدو أن الأمور سارت بطريقة معاكسة تماماً. فقد بُثَّت حياة جديدة في ثقافة عمرها خمسة قرون كانت على وشك السقوط في غياهب النسيان، وذلك بدفعٍ من آلات القهوة التركية التي رأت النور بعد طول انتظار، وجيل جديد من شباب المدن المتذوّقين للقهوة.

عند تدوين تاريخ القهوة، يُنسَب الفضل إلى العثمانيين في إدخال هذا الشراب المنبِّه الرائع إلى أوروبا في القرن السابع عشر. بحلول ذلك الوقت، كانت المقاهي - التي يمكن القول بأنها شكّلت المراكز الأولى للرأي العام - تزدهر في اسطنبول، ما أثار حفيظة الباب العالي. كان العثمانيون من مختلف مشارب الحياة يتخالطون معاً في المقاهي، حيث يناقشون مختلف المسائل من الدين إلى السياسة، قبل وقت طويل من تحوُّل المقاهي الباريسية إلى محطّات لالتقاء الكتّاب والثوّار. لكن في القرن العشرين، تفوَّق الشاي على القهوة مع ارتفاع الأسعار، وأصبح الأتراك في رأس قائمة الشعوب التي تشرب الشاي في العالم.

قبل نحو عقد من الزمن، شعر عشّاق القهوة بقلق شديد إزاء مصير القهوة التركية إلى درجة إنشاء جمعية لإحياء القهوة من جديد وترويجها. كانت سلاسل المقاهي الدولية تجتاح البلاد مهدّدةً بتسديد ضربة قاضية للقهوة التركية التي كانت تشهد تراجعاً حاداً في المطاعم، فقد دفعت صعوبة تخميرها بالمطاعم - وعدد كبير من المنازل - إلى اللجوء إلى القهوة السريعة التحضير. لكن المخاوف لم تتحوّل إلى واقع على الأرض.

قال عثمان سريم، خبير التذوّق وعضو مجلس الإدارة في جمعية الثقافة والأبحاث حول القهوة التركية، لموقع "المونيتور": "تبيّن أن هناك معيارَين حاسمين. أولاً، جرى تصنيع آلات تركية عصرية وفائقة الأداء لتحضير القهوة. ... ثانياً، أطلق انبعاث القهوة من جديد على المستوى العالمي، نهضة القهوة التركية. وفي عاملٍ حاسم جداً، تبنّى الشباب القهوة التركية".

ويعلن بنبرة ملؤها الثقة: "اليوم، أُنقِذت القهوة التركية".

حفّز وصول السلاسل الدولية ظهور منافسين أتراك طموحين، وانتشرت مئات المقاهي في المدن. في حين أقبل الأتراك على احتساء الموكا وقهوة "أمريكانو"، أظهروا أيضاً ميلاً قوياً إلى شرب القهوة التركية. ومع استخدام الآلات الجديدة، لم يعد الزبائن مضطرين إلى الانتظار طويلاً للحصول على القهوة التركية.

وشكّلت المقاهي الجديدة، التي توسّعت أكثر فأكثر من خلال فروع محلية أصغر حجماً، محطةً عصرية للمزايا التي تجسّدها القهوة في هذه الأراضي منذ قرون، وأبرزها أنها تشكّل وسيلة للاختلاط الاجتماعي وتبادل الأحاديث وإفشاء الأسرار.

يلفت سريم إلى أن القهوة التركية حصلت على اندفاعة جديدة من خلال مقاهي التبصير الشعبية جداً التي تشكّل إضافة فريدة من نوعها إلى المشهد. القهوة التركية، وهي النوع الوحيد الذي يُقدَّم مع التفل، ملازِمة للتبصير، عبر تفسير الأشكال في تفل القهوة. نظراً إلى ميل الأتراك إلى التطيُّر، لا يزال عدد كبير من البصّارين "المحترفين" يعملون اليوم، لكن غالباً ما يتم التبصير في الفنجان بين الأصدقاء كوسيلة لتبادل الأحاديث والتفاعل الحميم.

في العام 2013، أدرجت منظمة اليونيسكو ثقافة القهوة التركية في قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية، فاعترفت بها كمؤسسة اجتماعية تساهم في "ترويج الحوار" و"تعزيز التماسك الاجتماعي والانفتاح".

لقد تركت القهوة التي تشكّل رمزاً للصداقة والضيافة والدماثة، بصمات لا تُمحى على اللغة والفنون والصناعات الحِرَفية والأعراف والحياة الاجتماعية التركية. إذا صحّ القول المأثور، يمكن القول بأنه "على فنجان قهوة تبدأ صداقات لتدوم 40 عاماً". القهوة التركية عنصر أساسي في طقوس اجتماعية سابقة للزواج عندما يزور أنسباء العريس عائلة العروس لطلب يدها. وفي تقليدٍ يستمر حتى يومنا هذا، ولو بخفّة نوعاً ما، تحضّر العروس القهوة في المناسبة بهدف إظهار مهاراتها.

وتحضير القهوة التركية ليس بالأمر السهل. فما يُكسبها الطابع "التركي" ليس نوع النبتة إنما تقنية التخمير المتميّزة. بدايةً، يجب طحن البن ليتحوّل عملياً إلى بودرة ناعمة جداً. ويجب أن يكون البن المطحون طازجاً للحفاظ على النكهة. يمكن أن تكون القهوة التركية "سادة"، أي من دون سكّر، أو "حلوة قليلاً"، أو "سكّر وسط"، أو "حلوة جداً". يضاف السكّر إلى مزيج البن والماء قبل أن يبدأ التخمير. ويعني ذلك إعداد أصناف مختلفة من القهوة تتناسب مع كل واحد من الأذواق. في المناسبات المكتظة بالمدعوّين، من الأفضل لك أن تصلّي كي يرأف ضيوفك بك ويتّفقوا على نوع واحد.

يجري تخمير القهوة على نار هادئة في إناء نحاسي مع مسكة طويلة يُسمّى "كنكة"، أو ما يُعرَف بالركوة، ويبدأ منسوبها بالارتفاع في غضون دقائق معدودة. هذه هي اللحظة المناسبة لإظهار المهارات بالنسبة إلى من يجيدون فعلاً تحضير القهوة. فالرغوة هي السمة المقدّسة في القهوة التركية، ولذلك فإن القهوة التركية التي تحتوي على القليل من الرغوة أو لا تحتوي على أي رغوة على الإطلاق هي وصمة عار ويمكن أن تتسبّب بتحطيم قلب عروس المستقبل. بغية الحصول على النتيجة الفضلى، تُرفَع الركوة عن النار، وتُسكَب الرغوة بواسطة ملعقة في الفناجين. ثم توضَع الركوة من جديد على النار، وتُكرَّر العملية. لا يُسمَح أبداً بترك القهوة لتبلغ درجة الغليان.

مع كل هذه التفاصيل الدقيقة وما يتطلبه تحضير القهوة من عناء، ربما يستحق الأتراك بعض المسامحة لتأخّرهم قرناً كاملاً في صنع آلة تحضير القهوة التركية.

من الروّاد في هذا المجال مراد كولباسي، الرئيس التنفيذي لشركة "أرزوم" المصنِّعة للأدوات المنزلية، والذي هو - ولا عجب في ذلك - من عشّاق القهوة التركية.

قال كولباسي، في مقابلة مع "المونيتور"، إن حصة القهوة التركية تبلغ أقل من عشرة في المئة من الفناجين التي تُستهلَك يومياً حول العالم، وعددها 1.2 مليار فنجان، لكنه أبدى تفاؤله بأنه ربما تتجه الأمور وأخيراً نحو التحسّن.

وأضاف: "أدّى ظهور التقنيات المأتمتة في مطلع القرن العشرين إلى انتشار قهوة الإسبرسو، والقهوة المصفّاة، والقهوة السريعة التحضير حول العالم... لقد تسبّب عصر الوجبات السريعة في تعطيل انتشار القهوة التركية، نظراً إلى صعوبة تخميرها. اقتصر استهلاك القهوة التركية على جغرافيتها الراهنة، ما أدّى إلى مزيد من التأخير في صنع آلة القهوة".

تابع كولباسي: "في العام 2003، صنعت شركة أرزوم أول ركوة كهربائية، وفي العام التالي أطلقت ماركة محلية أخرى ركوتها الكهربائية. [ومنذ ذلك الوقت]، انطلقت عملية جدّية لأتمتة صناعة القهوة".

بالنسبة إلى المتمسّكين بالتقاليد، تبقى القهوة التركية المحضَّرة في الآلة جريمةً في عالم المطبخ. لكن سرعان ما حقّقت الركوة الكهربائية نجاحاً واسعاً لأنها نجحت إلى حد ما في الحفاظ على المذاق الأصلي للقهوة. لكنه كان حلاً جزئياً. أراد كولباسي صنع آلة لصبّ القهوة مباشرةً في الفناجين. وقد أمضى فريقه أربعة أعوام وأنفق مليونَي دولار لصنع الآلة التي عُرِضت للبيع في الأسواق اعتباراً من أيلول/سبتمبر 2014، كما يقول.

بحسب معلومات الشركة، إنها الآلة الأولى التي تصب القهوة والرغوة والتفل أوتوماتيكياً في الفناجين، وتُحدّد الارتفاع المناسب للحصول على درجة حرارة مثالية للتخمير، كما أنها مجهّزة بنمط بطيء يُحاكي أسلوب التخمير القديم على الجمر، وبوظيفة التنظيف الذاتي.

لقد جرى تصدير الآلة إلى 24 بلداً، لا سيما في أوروبا والشرق الأوسط، إنما أيضاً إلى بعض الوجهات غير المتوقّعة. يقول كولباسي: "شكّل شحن آلات القهوة التركية إلى أندونيسيا مثلاً، خطوةً مفاجئة ومفرحة".

فيما ينكبّ المهندسون جاهدين على المزج بين القديم والجديد، يبدو أن المستهلكين الشباب يفعلون ذلك بسهولة إلى حد ما. ففي مقهى متوسّط الحال في وسط أنقرة، تصل القهوة التركية المحضّرة في الآلة على وقع موسيقى الروك أند رول، على صينية نحاسية مع راحة الحلقوم وكوبَي الماء ومثلّج الفواكه التقليديين. يُقدّم المكان غير الاعتيادي المؤلّف من طابقَين، موسيقى حية، ومشروبات كحولية، ومكتبة صغيرة، وطاولات للعب السنوكر، وردهة لوضع التاتو... وعرّافين.

العرّاف "الأساسي" ليس سيدة محنّكة، كما يمكن أن نتوقّع، إنما شاب في الثامنة والعشرين من العمر يُدعى جنكيز، ويُعتبَر من أكثر قارئي فنجان القهوة شعبية في أنقرة، بحسب ما تظهره المنتديات الإلكترونية. تسريحته على الموضة ويضع قرطَين في أذنيه، وقد قرأ مستقبل كاتبة هذا المقال برصانة، مدوِّناً التواريخ الأساسية على مفكّرة. تترافق توقّعاته مع التوبيخ، والوعظ عن الحياة، والمحادثة الودّية. يكسب جنكيز رزقه من قراءة فنجان القهوة منذ عقد من الزمن؛ إنه جندي عن غير قصد منه، في الموجة التي أنقذت شراب القهوة العريق.

يقول سريم إن إحياء القهوة التركية مسار لا عودة عنه: "أرى المزيد في الأفق"، مشيراً إلى سلاسل المقاهي المحلية التي تفتتح فروعاً لها في الخارج، والبدء بتصدير آلات القهوة التركية والبن المطحون المعبّأ في أكياس ضاغطة.

يتوقّع سوقاً واعدة للقهوة التركية، بما في ذلك في أوساط الجاليات التركية الكبيرة في أوروبا والشرق الأوسط والبلقان، التي تتشارك هذا التقليد من الحقبة العثمانية، وكذلك الجالية التركية في الولايات المتحدة.

يقول إن الهدف هو أن يتم إدراج القهوة التركية على قوائم الطعام في المدن العالمية. يعمل الأشخاص المفعمون حماسةً في جمعية سريم، على أفكار لترويج القهوة في الخارج، بما في ذلك من خلال مشاريع لافتتاح مكاتب في نيويورك وهونغ كونغ، أي أبعد بكثير من الأماكن التي وصل إليها أجدادهم العثمانيون.

هذا المقال جزء من سلسلة مقالات عن التراث الثقافي في الشرق الأوسط. لقراءة المزيد، اضغط هنا.

More from Sibel Utku Bila

Recommended Articles