تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

تنظيم الدولة الإسلاميّة يصدر مجلّته الأولى باللغة التركيّة

عزّزت المجموعات المؤيّدة لتنظيم الدولة الإسلاميّة حملتها الترويجيّة في تركيا بإصدار مجلّتها الإلكترونيّة الأولى.
An Islamic State fighter walks near a black flag belonging to the Islamic State as a Turkish army vehicle takes position near the Syrian town of Kobani, as pictured from the Turkish-Syrian border near the southeastern town of Suruc, Sanliurfa province October 7, 2014. Turkey has asked the United States to step up air strikes to keep Islamic State militants from seizing a key Syrian Kurdish border town, a senior Turkish official was quoted as saying on Tuesday. Islamic State fighters advancing into the south

أصدرت المجموعات المؤيّدة لتنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش) مجلّتها الإلكترونيّة الأولى باللغة التركيّة التي يُعتقد أنّ من صمّمها هم خبراء رقميّون مخضرمون تابعون لـ "داعش" في مركز "الحياة للإنتاج الإعلاميّ" المعروف بعمله عالي الاحترافيّة. وأطلقت المجلّة عددها الأوّل الأسبوع الماضي بعنوان "القسطنطينيّة"، وهو الاسم الذي كانت اسطنبول تحمله قبل أن يغزوها الجيش العثمانيّ.

وتتضمّن المجلّة المؤلّفة من 46 صفحة موادّ بصريّة ذات صلة بالموضوع رمزياً تقدّم فكرة واضحة عن رؤية "داعش" الاستراتيجيّة الخاصّة بتركيا.

وإنّ الموضوع الرئيسيّ في العدد الأوّل هو غزو القسطنطينيّة، بما أنّ صدور العدد يتزامن مع ذكرى غزو اسطنبول في 29 أيار/مايو 1453. لم تتعرّض القسطنطينيّة للغزو بالفعل، وينبغي غزوها من جديد، على يد "جيوش الإسلام" هذه المرّة. يبدأ المقال بإشادة النبيّ محمد بأهميّة اسطنبول. فرؤية "داعش" الاستراتيجيّة الخاصّة بتركيا مستوحاة من الأحاديث، خصوصاً الحديث الذي يستشرف أنّ الجيوش الإسلاميّة ستتواجه أوّلاً مع الرومان في حرب كبيرة في حلب في وقت قريب من يوم الدينونة، وستذهب إلى القسطنطينيّة بعد هذه الحرب كي تغزوها "من دون أسلحة".

وينتهي المقال بالفقرة الآتية: "كما ستفهمون من هذه الأحاديث، سيتمّ غزو هذه المدينة المسمّاة اليوم اسطنبول من دون أسلحة ومن دون إراقة للدماء – بل من خلال هتافات "الله أكبر" ليس إلا. وبالتالي، فإنّ جيش الخلافة الجديد، الذي سيعاد تشكيله بحسب أوامر النبيّ وبمباركة الله، سيستولي على المدينة".

لا يناصر المقال في العدد الأوّل إذاً، بشكل عامّ، العنف ضدّ تركيا. ويمكن تفسير ذلك بإحجام "داعش" عن إعلان تركيا كعدوّ لها، أقلّه في الوقت الحاليّ. وليس واضحاً ما إذا كان هذا الموقف يعكس رأي التنظيم في حزب العدالة والتنمية الحاكم.

لماذا هذا الحذر في ما يتعّلق بتركيا؟ نجد الجواب عن هذا السؤال في مقال آخر بعنوان "الهجرة". فالرسالة في هذا المقال تدلّ على أنّ "داعش" لا يعتبر تركيا ساحة قتال، بل مصدراً غنياً بالموارد البشريّة. وإنّ جميع المسلمين في تركيا، خصوصاً هؤلاء العاملين في مجالات الهندسة والرعاية الصحيّة والتعليم والجيش، مدعوّون إلى الهجرة إلى تنظيم الدولة الإسلاميّة. وبالتالي، يتبيّن بوضوح أنّ الاستيلاء على الأراضي مهمّ في رؤية "داعش" الاستراتيجيّة.

وتُعتبر قصيدة تعد بغزو اسطنبول من خلال هتافات "الله أكبر" وسيلة للإشادة بمجد العثمانيّين، ما يدفعنا إلى التساؤل عمّا إذا كان هناك سبب استراتيجيّ خلفها وعمّا إذا كان "داعش" يحاول تنصيب نفسه "حامياً للعالم السنيّ" ضدّ التوسّع الإيرانيّ. إذا كان ذلك صحيحاً، فهو يعني تغييراً جذرياً في رؤية "داعش" الاستراتيجيّة. فالسعي إلى الاضطلاع بدور الامبراطوريّة العثمانيّة من خلال تحدّي العدّو الإيرانيّ المجاور والتوسّع الشيعيّ، والعدّو الغربيّ البعيد وقيمه، يدلّ على أنّ لـ "داعش" مآرب عالميّة.

ومن الممكن تفسير المقال المعنون "مَن هو الكافر؟" كتهديد مبطّن لصانعي القرار السياسيّين في تركيا، خصوصاً نخب حزب العدالة والتنمية. فالرسالة الأساسيّة الموجّهة إلى حزب العدالة والتنمية في هذا المقال هي الآتية: "إن لم تعبثوا معنا، فلن نعبث معكم شرط ألا تصبحوا كافرين". يحذّر "داعش" حزب العدالة والتنمية إذاً من أنّه إذا قام بالتحرّك ضدّ "داعش"، فسيتمّ اعتبار الأشخاص المتورّطين كافرين، والتشكيك في شرعيّتهم أمام العالم السنيّ.

أمّا المقال المعنون "ديمقراطيّة مشتعلة" والمرفق بصورة لنعوش جنود أميركيّين مغطّاة بالعلم الأميركيّ فيعكس بلا شكّ نظرة "داعش" إلى الديمقراطيّة باعتبارها العدوّ الأكبر. ويشرح المقال أنّ "الديمقراطيّة لا يمكن أن تكون يوماً مطابقة للإسلام. فهذان دينان مختلفان. ما من دين آخر أو إيديولوجيا أخرى مطابقة للإسلام. لا يمكن إضافة صفة إلى المسلم. فليس هناك مسلم ديمقراطيّ أو مسلم شيوعيّ أو مسلم اشتراكيّ أو مسلم يهوديّ أو مسلم بوذيّ. وبالتالي، فإنّ العالم الإسلامي وتركيا مدعوّان إلى محاربة الديمقراطيّة". ويُعتبر هذا المقال ردّاً على حزب "هدى بار" الكرديّ الإسلاميّ المتشدّد. فالمفكّرون المؤيّدون لـ "داعش" في تركيا يقولون إنّ الانتخابات الأخيرة ليست شرعيّة في نظرهم، ويحاولون في الوقت نفسه جذب ناخبي "هدى بار" إلى صفوف التنظيم.

وباستثناء تحدّي حزب "هدى-بار"، لا تتضمّن مجلّة "داعش" أيّ مقالات أو موادّ بصريّة مناهضة للأكراد. ويدلّ ذلك على أنّ الأكراد الإسلاميّين المتطرّفين في تركيا يشكّلون في نظر "داعش" مصدراً مهمّاً للقوى البشريّة، وأنّ "داعش" يصبّ اهتمامه على جذب الشباب الكرديّ الإسلاميّ.

أمّا المقال المعنون "بعد تفجير البيت الأبيض، نريد باريس" فهو مجموعة من الرسائل القاسية الموجّهة إلى أوروبا والولايات المتّحدة الأميركيّة. بعد أن يذكر المقال أنّ مقاومة أكراد كوباني نجحت بفضل جهود قوّات التحالف بقيادة الولايات المتّحدة، يستعمل لهجة ساخرة: "تهانينا أيّها البنتاغون. فليستمتع الصليبيّون بالحطام في كوباني... إذا كنتم تحلمون بالموصل وتكريت وشنكال، فسنجعل حياتكم بائسة ونفجّر بيتكم الأبيض وبيغ بن وبرج إيفل".

ومن هذه المجلّة الإلكترونيّة الأولى باللغة التركيّة، يمكن الاستنتاج – أقلّه في الوقت الحاليّ – أنّ "داعش" لا تعتبر تركيا ساحة قتال، وأنّ تركيا لن تتعرّض للغزو بواسطة الأسلحة. وبالتالي، من المتوقّع أن يستمرّ "داعش" في كسب قلوب الشباب الكرديّ وعقولهم. وتبيّن المجلّة بوضوح أيضاً – من خلال رسالتها الآتية: "نحن جنود البعثة التي أعلنها النبيّ" – أنّ هناك تشديداً كبيراً على حلب ورؤى النبيّ.

وللمرّة الأولى، نرى كيف يراقب "داعش" عن كثب التغييرات في الإسلام السياسيّ في تركيا، وكيف يبحث عن مكان لنفسه في هذا التحوّل. لا شكّ في أنّ صورة الإسلام السياسيّ التركيّ الذي يمثّله حزب العدالة والتنمية تشوّهت بسبب ادّعاءات بالفساد. ويبدو أنّ "داعش" يدمج إيديولوجيته في الإسلام السياسيّ والعثمانيّة في تركيا من أجل تأسيس مدرسة فكريّة إسلاميّة متشدّدة جديدة هناك يمكنها تحفيز الحشود الإسلاميّة المبتعدة عن الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة وعن الديمقراطيّة على التقرّب أكثر من "داعش".

وإنّ الرسالة الأهمّ التي تبعثها المجلّة هي أنّه لدى "داعش" رؤية استراتيجيّة بعيدة الأمد في ما يتعلّق بتركيا. وتشدّد هذه الرسالة على المقاربة ذات التوجّه الشعبيّ التي تهدف إلى كسب قلوب الأتراك وعقولهم، بدلاً من العنف المسلّح والإرهاب، وبالتالي الدعوة إلى غزو اسطنبول ليس بواسطة السلاح بل من خلال التحرّك الروحيّ الإسلاميّ.

More from Metin Gurcan

Recommended Articles