لم تدم زيارة الرّئيس سعد الحريري للبنان في 14 شباط 2015 عشرة أيّام، فمغادرته السريعة مرّة أخرى، لم تفاجئ أحداً، فهو أتى إلى بيروت في 8 آب 2014، بعد غياب قسريّ دام ثلاث سنوات في زيارة لم تدم أيضاً طويلاً، حاملاً هبة سعوديّة بقيمة مليار دولار للجيش اللبنانيّ. والمعلوم أنّ السبب الأساسيّ لعدم بقائه طويلاً في العاصمة اللبنانيّة عدم توافر الشروط الأمنيّة لضمان سلامته، لكن لا يبدو أنّ تلك الشروط تحسّنت، رغم الحوار الدّائر بين تيّاره و"حزب الله". وإنّ السّقف العالي للكلام الّذي أطلقه من بيروت في 14 شباط 2015، بالذكرى العاشرة لاغتيال والده رفيق الحريري، لم يكن ليساهم في خفض نسبة المخاطر المحيطة بأمنه الشخصيّ، فصحيح أنّ عودته أعادت شيئاً من الحركة إلى الحياة السياسيّة في بلد يعيش حالاً من الفراغ المؤسساتيّ، وصحيح أيضاً أنّها نالت تأييد الحلفاء من النائب وليد جنبلاط إلى الأحزاب المسيحيّة الّتي تمنّت عليه البقاء في لبنان، وحتّى خصوم الأمس، أعضاء التيّار الوطنيّ الحرّ ونوّابه رحّبوا بهذه الزيارة، كما عبّر عن ذلك لقاء قائدهم النائب العماد عون بالحريري بعد يومين من قدومه، وحضورهم للمرّة الأولى مهرجان "بيال"، ولكن حفاوة الحلفاء والتفاف خصوم الأمس لم تبدّد عمق الخلاف مع "حزب الله".
في الواقع إنّ الخلاف مع "حزب الله" يشمل كلّ المسائل من أمنيّة إلى سياسيّة، فهناك أوّلاً مسألة سلاح "حزب الله" خارج إطار الدولة، كما مشاركته في الحرب السوريّة وتوزيعه السلاح في مناطق لبنانيّة عدّة تحت تسمية "سرايا المقاومة"، هذا إضافة إلى رفض تسليم المتّهمين بجريمة اغتيال الرّئيس رفيق الحريري. وأخيراً، اتّهامه بتعطيل جلسات انتخاب رئيس الجمهورية والتسبّب بفراغ دستوريّ في الرئاسة، الّذي إن طال قد يطيح بالنّظام الّذي أعيد إرساء قواعده في اتّفاق الطائف عام 1989، ويتمسّك به تيّار "المستقبل".
إنّ الخلاف حول مسألة سلاح "حزب الله" تفاقم بعد الأزمة السوريّة وانخراط "حزب الله" في المعارك الدائرة في سوريا. وأصدق تعبير عن هذا الخلاف ما جاء في خطاب الحريري في مهرجان "بيال"، حيث قال: "نقول لحزب الله إنّ ربط الجولان بالجنوب جنون فانسحبوا من سوريا". لقد جاء هذا الكلام في 14 شباط أيّ بعد عمليّة شبعا الّتي قام بها "حزب الله"، ردّاً على هجوم إسرائيل في القنيطرة، الّذي أودى بخمسة من عناصره، من بينهم ضابط إيرانيّ رفيع المستوى.
"إنّ حزب الله أصبح لاعباً إقليميّاً"، هذا ما قاله راشد فايد، وهو الرياديّ والنّاطق الإعلاميّ باسم تيّار "المستقبل" لـ"المونيتور"، وفي ذلك إشارة إلى خروج "حزب الله" نهائيّاً من إطار السيادة اللبنانيّة وانخراطه في مشروع المواجهة الواسعة الّتي تخوضها إيران من صنعاء إلى بيروت. وطالب فايد بثلاثيّة "الجيش والشعب والمؤسّسات"، وفي ذلك تمسّك بمرجعيّة الدولة ومؤسّساتها وحصريّة دورها في حفظ الأمن واتّخاذ قرار الحرب والسلم، وهو في التّعبير غمز من قناة "حزب الله"، الّذي لطالما روّج لثلاثيّة أخرى تحوّلت شعاراً لسنوات، ألا وهي "شعب وجيش ومقاومة"، والّذي حاول من خلال ذلك تبرير احتفاظه بالسلاح و"شرعنته " خارج إطار الدولة والإجماع الوطنيّ.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.