لم يكن ينقص لبنان غير إعلان وزير الخارجية الفرنسية، لوران فابيوس، أن أولى شحنات الأسلحة المقدمة إلى الجيش اللبناني بموجب الهبة السعودية، ستصل في الأول من نيسان المقبل، لتكتمل الطرفة في بيروت. ذلك أن مشروع الهبة السعودية هذا بات عمره أكثر من 400 يوم. ولم يختر المسؤول الفرنسي لتنفيذه إلا اليوم الذي يعتبر في بيروت كما في باريس، عنواناً للكذب!
وفي هذا السياق، يؤكد مصدر حكومي لبناني أن الهبة السعودية التي أعلن عنها في 29 كانون الأول 2013، والتي قضت بتقديم أسلحة وتجهيزات فرنسية للجيش اللبناني، بقيمة ثلاثة مليارات دولار أميركي، لا تزال قيد المراوحة منذ عام ونيف، وقد تستمر مراوحتها تلك لفترة طويلة مقبلة. ويكشف المصدر الذي طلب عدم كشف اسمه لموقعنا، أن الموضوع ترافق منذ اللحظة الأولى لإعلانه، مع تعقيدات سياسية وقانونية وإدارية وعملانية كثيرة. أولها أن الصفقة أعلن عنها بشكل أحادي من خارج الأصول الرسمية المعتمدة في لبنان. إذ تولى رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان الإعلان عنها في مؤتمر صحافي عقده بمفرده، من دون وجود أي من الطرفين المعنيين بالقضية، السعودي والفرنسي. وهو إعلان مخالف للأصول الدستورية اللبنانية، التي تجعل السلطة التنفيذية منوطة بمجلس الوزراء وحده، والذي يملك دون سواه الصلاحية الدستورية بقبول أي هبة خارجية مقدمة للدولة اللبنانية. بعد فترة من المراوحة، أحيل الملف إلى الحكومة لعرضه في إحدى جلساتها. غير أنه لم يلبث أن سحب قبل البحث في تفاصيله أو اتخاذ أي قرار في شأنه. حتى أن المصدر الحكومي نفسه يجزم لموقعنا، أن ملف تلك الصفقة لم يعد موجوداً إطلاقاً ضمن وثائق مجلس الوزراء.
بعدها قيل أن لبنان غير معني بتفاصيل إبرام الصفقة. فهي مسألة مالية تجارية محصورة بين الواهب، أي الرياض، وبين البائع أي باريس. أما دور لبنان فيقتصر على تقديم لوائح الأسلحة والأعتدة والتجهيزات التي يعتبرها أولوية لقواته المسحة. إلا أن شائعات كثيرة لم تلبث أن تناولت الموضوع. أبرزها الكلام عن عمولات مفروضة أو مطلوبة، أبرزها عمولة الشركة الفرنسية التي تتولى التفاوض بين السعودية وفرنسا، شركة ODAS، والتي تردد أنها تبلغ 150 مليون دولار أميركي. رغم ذلك استمرت المفاوضات طيلة أشهر. وتقدم الطرف اللبناني باللوائح المطلوبة منه. غير أن تعقيدات أخرى كانت تظهر كل مرة. منها ما يتعلق بمضمون تلك اللوائح، التي طلب الفرنسيون تعديلها مراراً، كما يؤكد المصدر الحكومي نفسه لموقعنا، ومنها ما يتعلق بسير التفاوض بين الرياض وباريس حول القضية. المهم أنه بعد نحو ثمانية أشهر من المراوحة، أعلن أن الصفقة باتت على وشك الإنجاز، مع زيارة ولي العهد السعودي يومها، الملك الحالي سلمان، إلى باريس مطلع أيلول الماضي. يومها تبلغت بيروت، كما يتابع المصدر الحكومي اللبناني، أن باريس والرياض ذللتا آخر العقبات التي كانت تواجه الصفقة. وهي تلك المتمثلة بثلاثة بنود مدرجة على لوائح السلاح المطلوبة، وكان الجيش اللبناني قد اقترحها وواجهتها بعض الاعتراضات من باريس، وهي: طائرات توريل، منظمة القتال البحرية، وشبكة الاتصالات المشفرة. إذ وافق الفرنسيون على تضمين الصفقة تلك الأسلحة. وقيل أن هذا الاتفاق سيشكل المدخل إلى توقيع رسمي لنوع من المعاهدة الثلاثية الأطراف بين الرياض، باريس وبيروت، يشكل تتويجاً لتنفيذ الهبة. وتبلغت بيروت يومها، بحسب المصدر الحكومي نفسه، أن التوقيع النهائي، بحسب نتائج زيارة سلمان الفرنسية هذه، يجب أن يتم في غضون 30 يوم عمل بدءاً من ذلك التاريخ. وبالفعل أعلن في 3 تشرين الثاني الماضي عن التوقيع النهائي على اتفاقية الهبة. وقيل أن التنفيذ سيبدأ فوراً. علماً أن ملاحظات عدة أثيرت حول مضمون الصفقة، كما يروي المصدر الحكومي نفسه. منها كلام عن فرض بند يتضمن تزويد الجيش اللبناني بثلاثة طرادات كبيرة، لا حاجة للبنان إليها، ولا قدرة له على تشغيلها وصيانتها، وذلك لمجرد ضمان عمولة أحد الأطراف الضالعين في الصفقة، عبر شراء تلك الطرادات من وكيل محسوب عليه. ومن دون أن يفصح المصدر الحكومي عن معلومات إضافية حول هذا الموضوع، أكد أن السطات اللبنانية سكتت ووافقت، أملاً بالوصول إلى خاتمة سعيدة للمسألة، وتزويد الجيش بما يمكن من أسلحة وذخائر. ويؤكد المسؤول الحكومي أنه بعد ذلك الإعلان بادر لبنان إلى توقيع وثائق الاتفاقية. وأمضى أحد المسؤولين اللبنانيين ساعات وهو يضع توقيعه على 420 ورقة تشكل رزمة الاتفاق في نسخه المتعددة. بعدها سافر المسؤول نفسه إلى الرياض لمتابعة التنفيذ، ففوجئ هناك بجهة حكومية جديدة تدخل على خط التفاوض. ذلك أنه في اللقاءات السعودية اللبنانية السابقة كافة، كانت الرياض تتمثل بمديرالديوان الملكي في عهد الملك عبدالله، خالد التويجري. لكن فجأة، وبعد توقيع الاتفاق الثلاثي، فوجئ المسؤول اللبناني بحضور ممثلين عن وزارة المال السعودية إلى جانب التويجري. وهو ما برره الأخير للوفد اللبناني، بأن موضوع الهبة السعودية قد انتقل من صفة المكرمة الملكية الخاصة من عبدالله، إلى صفة الهبة الرسمية التي تقدمها الدولة السعودية للبنان.
مرت أسابيع إضافية ولم يتحرك أي جديد في الموضوع. ووسط صمت سعودي وفرنسي كامل، جاءت وفاة الملك السعودي عبدالله في 23 كانون الثاني الماضي، لتطرح مزيداً من التساؤلات والغموض حيال الموضوع. خصوصاً بعد إبعاد التويجري عن موقعه النافذ داخل البلاط السعودي، وبعد التغييرات الكاملة في مواقع القرار في الرياض. حتى أن البعض في بيروت بات يطرح السؤال: هل دفنت هبة المليارات الثلاثة، مع عبدالله بعدما ماتت بوفاته، أم تعود مع العهد السعودي الجديد، لكن بصيغة جديدة؟ تبر أمور مبهمة عديدة لا بدّ من التطرق إليها، فيما الجيش اللبناني بأمس الحاجة إلى ذلك السلاح في حربه ضد الإرهاب؟
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.