تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الحرب تخلّف وراءها زيجات مدبّرة

A Palestinian walks near the remains of houses, that witnesses said were destroyed or damaged by Israeli shelling during the July-August war between Israel and Hamas-led Gaza militants, in the east of Gaza City January 4, 2015. REUTERS/Suhaib Salem (GAZA - Tags: POLITICS CIVIL UNREST) - RTR4K02O

قطاع غزّة - يبلغ علي عبد ربّه من العمر 19 عاماً، ولكنّه يبدو أصغر في السنّ. يجلس أمام جهاز الكمبيوتر، منكبّ على الحديث عبر موقع "الفايسبوك" كما قد يفعل أترابه، ولكنّ علي ينتظره خلال أيّام قليلة حدث يتجاوز عمره بكثير، فسيتمّ عقد قرانه على امرأتين تكبرانه في السنّ هما زوجتا شقيقيه الشهيدين. فهذه هي غزّة، قصص الحرب فيها، لا تجرّ وراءها إلّا قصص أخرى من المعاناة.

في منزلهم في جباليا شمال قطاع غزّة، كانت جهاد (24 عاماً) تجلس على سريرها تحمل صورة طفلتها رهف وزوجها علاء، وتبكيهما بعين واحدة، فقد فقدت عينها اليسار خلال القصف الذي قضى على حماتها وزوجها وابنتها وشقيق زوجها محمّد وابنه جمال (عامين)، واثنين آخرين من أشقائه، ابراهيم (22 عاماً) وعبدالله (23 عاماً)

انهالت القذائف عليهم، وهم يحتمون في منزل أقارب لهم، فقتلت الأمّ وأربعة من أبنائها وحفيدة وحفيد، ولم يتبقّ سوى علي المصاب الذي رجع حديثاً من العلاج في تركيا، وهناك ولاء (26عاماً) التي تروي لنا القصّة.

تقول: "رأيت أجسادهم أمامي تنتفخ ثمّ تتفتّت، حزنت عليهم جميعاً، لم أصدّق. كنّا في رمضان وسنبدأ الأكل. هذا الشتاء يذكّرني بهم كثيراً، لن أنساهم أبداً".

ويبدو البيت الكبير، المكوّن من طابقين وأرضيّته شديدة اللمعان، فارغاً وبارداً تماماً، وقد كان هذا الفراغ والصمت الدافعين وراء فكرة أن يتزوّج علي من زوجتيّ شقيقيه الشهيدين.

تقول صاحبة المبادرة، ومن رتّبت هذا الارتباط، شقيقة الشهداء داليا (30عاماً): "بعد انتهاء الحرب وشفاء الجرحى، عدنا إلى البيت، وكان فارغاً، فلم يكن فيه سوى شقيقتي ولاء ووالدي وشقيقي علي، وكلّ شيء هنا يذكّرنا بالشهداء. وبحسب العادات والتقاليد، فقد عادت زوجتا شقيقيّ الشهيدين إلى عائلتيهما، لذلك كان الحلّ الوحيد ارتباط علي بهما"، موضحة أنّها أقنعت الجميع بالفكرة.

تقول الأرملة جهاد لـ"المونيتور": "أنا لا أستطيع ترك منزلي، إنّه يذكّرني بزوجي الحبيب وبابنتي، وأنا أريد لمن تبقّى من أبنائي أن يتربّوا في منزل والدهم، وسيكون زواجي من علي لهذا الغرض فقط، وسيبقى مثل شقيقي".

أمّا زوجة الشهيد محمّد إسلام وتبلغ 21 عاماً فتقول: "نعم، أعرف أنّ في إمكاني الزواج وأنّني صغيرة في السنّ، ولكن بعد فقداني زوجي محمّد وابني الوحيد جمال، لم يتبقّ لعائلته ذكرى منه سواي، ولم يتبقّ لي سواهم كذكرى منه، لذلك سأبقى هنا، كي لا أعود إلى بيت عائلتي وأتزوّج بغريب".

وليس هذا شكل الزواج الوحيد الذي تفرضه ظروف المعاناة في الحرب وقصص الفقدان، بل هناك جمعيّات تشرف على تزويج أرامل الشهيدات، وأرامل الشهداء، وكانت الحادثة الأشهر حين نظّم صندوق الزواج الفلسطينيّ حفل زفاف جماعيّاً لما يزيد عن ثلاثين أرملة لشهداء عقب حرب 2008-2009 مقابل مبلغ ماليّ للزوج.

وفي كانون الأوّل/ديسمبر 2014، نظّمت جمعيّة الصلاح الإسلاميّة القريبة من حركة حماس في وسط قطاع غزّة، حفلاً مشابهاً، لكنّ هذه المرّة لتزويج أرامل الشهيدات خلال الحرب، مقابل مساعدة ماليّة.

وحاولت مراسلة "المونيتور" لقاء رئيس الجمعيّة، وتواصلت مع الجمعيّة أكثر من مرّة، لكنّها رفضت التعاطي مع الموقع، بحجّة أنّه أجنبيّ، وسيتحدّث عن الجمعيّة في شكل سلبيّ، لأنّها جمعيّة إسلاميّة.

لكنّ "المونيتور" استطاع الوصول إلى إحدى هذه الحالات، والتحدّث إلى الشابّ محمّد أبو جزر (27عاماً) الذي فقد زوجته أماني وابنته مريم (سنة ونسف عام) وابنه فراس (3 أعوام) خلال الحرب الأخيرة على القطاع في قصف لمنزلهم في الثالث من آب/أغسطس الماضي في مدينة رفح.

ويشعر أبو جزر بالأسى والحزن على فقدان أفراد عائلته الذين لا تغيب وجوههم عن عينيه قائلاً: "لا أستطيع للحظة نسيان ابني وابنتي وزوجتي التي بيننا ذكريات أكثر من سبعة أعوام".

وجد أبو جزر أنّ شقيقة زوجته المتوفّية هي أقرب النساء لابنته المتبقّية ميسم (أربعة أعوام ونصف)، وبالفعل تقدّم إلى خطبتها، موضحاً: "رفضت ابنتي في البداية، لأنّها لا تريد أن يحلّ أحد محلّ والدتها، لكنّها تتقبّل الأمر حاليّاً لأنّها خالتها".

ويؤكّد محمّد الذي فقد ساقيه في القصف أنّ جمعيّة الصلاح وعدته ومعه 10 آخرين أنّه بمجرّد الانتهاء من عقد القران، ستقدّم مساعدة ماليّة له، موضحاً أنّ العرس الجماعيّ الأوّل كان لمجموعة من أرامل شهيدات الحرب الذين سبقوهم في عقد القران.

من ناحيتها، ترفض الاختصاصيّة النفسيّة زهية القرا هذا النوع من الزواج المدبّر من قبل جمعيّات، موضحة أنّه تدخّل في الشكل الاجتماعيّ للأسرة، كما يصبح الزواج بهدف الدعم الماليّ، وليس من أجل الاستقرار.

وتضيف لـ"المونيتور": معظم هذه الجمعيّات له مرجع سياسيّ، وبالتالي تضمن هذه الجمعيّات أنّ هذه الأسرة في أيّ انتخابات مقبلة ستكون موالية لها وللحزب الذي أسّسها. إنّه شكل غير مباشر من السيطرة على العلاقات الاجتماعيّة".

وترى القرا التي عملت خلال ثلاثة حروب مع زوجات الشهداء، أنّ زوجة الشهيد تعاني معاناة قاسية، فالجميع ممّن حولها يعتبرها إرثاً اقتصاديّاً بسبب الدعم الذي تحصل عليه عقب استشهاد زوجها، وبذلك تصبح ملكاً عامّاً، إمّا لعائلة زوجها الشهيد أم لعائلتها.

وتتابع القرا: "هناك غالباً نظرة عدائيّة تجاه هذه المرأة التي أصبح لها دخل اقتصاديّ، وتجبرها العائلة في شكل أو في آخر، تحت شعار لمّ الشمل والأطفال، على الزواج من شقيق زوجها. وإذا أرادت الزواج من رجل آخر، فإنّهم يحرمونها من أطفالها، وتتعرّض إلى مضايقات".

وأكّدت القرا أنّ زوج أرملة الشهيد لا يتعامل معها كأنّها زوجة حقيقيّة، وبذلك إمّا يتزوّج عليها بأخرى أم يهينها ويقلّل من شأنها. وتابعت: "اشتكت لي إحدى زوجات الشهداء، وتبلغ من العمر 27 عاماً، بينما شقيق زوجها الذي تزوّجته عمره 19 عاماً، أنّه يبقى خارج البيت طوال اليوم، وحين يعود، يعاملها بقسوة، ويردّد عبارة: "تزوّجتك غصباً عنّي"".

وتوضح القرا أنّ وراء هذا النوع من الزواج، رجالاً نافذين سياسيّاً وأصحاب جمعيّات يستغلّون الحاجة الماديّة لضحايا الحروب للحصول على دعم من الخارج تحت غطاء دينيّ.

لن يكون هناك حفل زفاف للشابّ علي وزوجتيه جهاد وإسلام، بل ستبدأ حياة الثلاثة بمهرجان تأبين لشهداء عائلتهم السبعة، فيبدو أنّ الموت سيكون الحاضر الغائب حتّى في البدايات الجديدة.

Join hundreds of Middle East professionals with Al-Monitor PRO.

Business and policy professionals use PRO to monitor the regional economy and improve their reports, memos and presentations. Try it for free and cancel anytime.

Free

The Middle East's Best Newsletters

Join over 50,000 readers who access our journalists dedicated newsletters, covering the top political, security, business and tech issues across the region each week.
Delivered straight to your inbox.

Free

What's included:
Our Expertise

Free newsletters available:

  • The Takeaway & Week in Review
  • Middle East Minute (AM)
  • Daily Briefing (PM)
  • Business & Tech Briefing
  • Security Briefing
  • Gulf Briefing
  • Israel Briefing
  • Palestine Briefing
  • Turkey Briefing
  • Iraq Briefing
Expert

Premium Membership

Join the Middle East's most notable experts for premium memos, trend reports, live video Q&A, and intimate in-person events, each detailing exclusive insights on business and geopolitical trends shaping the region.

$25.00 / month
billed annually

Become Member Start with 1-week free trial

We also offer team plans. Please send an email to pro.support@al-monitor.com and we'll onboard your team.

What's included:
Our Expertise AI-driven

Memos - premium analytical writing: actionable insights on markets and geopolitics.

Live Video Q&A - Hear from our top journalists and regional experts.

Special Events - Intimate in-person events with business & political VIPs.

Trend Reports - Deep dive analysis on market updates.

All premium Industry Newsletters - Monitor the Middle East's most important industries. Prioritize your target industries for weekly review:

  • Capital Markets & Private Equity
  • Venture Capital & Startups
  • Green Energy
  • Supply Chain
  • Sustainable Development
  • Leading Edge Technology
  • Oil & Gas
  • Real Estate & Construction
  • Banking

Start your PRO membership today.

Join the Middle East's top business and policy professionals to access exclusive PRO insights today.

Join Al-Monitor PRO Start with 1-week free trial