على الرغم من الانطباع السائد حول انسداد الأفق السياسيّ في لبنان، لا يمكن للمراقب إلّا أن يتوقّف عند مجموعة لافتة من المؤشّرات، قد تشكّل في حال تطوّرها، مساراً لحلّ وشيك، أو قريب، أو ربّما مفاجئ.
من جهّة أولى، باتت معالم الأزمة اللبنانيّة معروفة، وعوارضها الأساسيّة: شغور في موقع رئاسة الجمهوريّة منذ 25 أيّار/مايو الماضي، وعجز عن إجراء انتخابات نيابيّة منذ حزيران/يونيو 2013، موعد نهاية ولاية البرلمان اللبنانيّ المنتخب عام 2009. وهو ما تمّت تغطيته عبر إصدار أكثريّة النواب قانونين مشكوك في دستوريّتهما، الأوّل أقرّ في أيّار/مايو 2013 وسمح بتمديد ولايتهم البرلمانيّة مدّة 17 شهراً، كان من المفترض أن تنتهي في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2014، والثاني أقرّ في 5 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، ومدّد الولاية نفسها حتّى 20 حزيران/يونيو 2017. أمّا الأسباب الفعليّة لتلك الأزمة فكثيرة ومتشعبّة، منها تكافؤ موازين القوى الداخليّة، كما الخارجيّة، بما لا يسمح بأيّ أرجحيّة أو تفوّق، ومنها الحرب السوريّة بتداعياتها الأمنيّة والعسكريّة الخطيرة على البلاد، ومنها ارتباط بعض القوى اللبنانيّة بجهّات خارجيّة متصارعة في شكل إلغائيّ مطلق، وصولاً إلى الفجوات الكثيرة التي يتضمّنها النظام اللبنانيّ في نصوصه الدستوريّة، كما في أعرافه التي طبّقت منذ قيام الدستور الحاليّ قبل نحو 25 عاماً، ممّا يجعل التعطيل في تداول السلطة ممكناً، في غياب أيّ آليّات دستوريّة وقانونيّة حاسمة للمعالجة. كلّ ذلك جعل المسرح السياسيّ اللبنانيّ يرسو في مشهده الراهن، على تزاوج بين المأزق والفراغ والجمود، من دون أيّ قدرة واضحة ومحدّدة على كسر هذا الوضع.
لكن في المقابل، تجمّعت خلال الأسابيع الماضية سلسلة كبيرة من الأحداث والوقائع، التي يمكن في حال الربط التحليليّ والمنطقيّ في ما بينها، أن ترسم خطّاً لمسار ما، قد يؤدّي إلى حلّ أو ثغرة في الجدار.
-أوّلاً: المعركة الخاطفة التي خاضها الجيش اللبنانيّ ضدّ عناصر سنيّة جهاديّة مسلّحة في مدينة طرابلس في شمال لبنان في 26 تشرين الأوّل/أكتوبر الماضي، والحسم السهل والسريع الذي حقّقه الجيش هناك، وسط بيئة طائفيّة واجتماعيّة شديدة التعقيد. واللافت أكثر أنّ تلك المعركة ترافقت مع تهدئة مفاجئة على جبهة عرسال، حيث لا يزال إرهابيّو "داعش" و"النصرة" يحتجزون أكثر من 30 عسكريّاً لبنانيّاً مختطفين لديهم منذ 2 آب/أغسطس الماضي، إذ لم يعمد هؤلاء إلى القيام بأيّ عمل انتقاميّ ردّاً على الضربة التي وجّهها الجيش إلى رفاقهم في عاصمة الشمال اللبنانيّ، علماً أنّ الحدثين ترافقا مع وجود وسيط قطريّ يتنقّل بين بيروت وعرسال، ممّا يوحي بدور واضح للدوحة في ضبط هاتين البؤرتين.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.