تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

العبادي ينقذ حكومته... ويواجه تحدّيات واختبارات عصيبة

سيكون من المبكر الحكم بامكان العبادي تجاوز كل تلك التحديات، وتحويل برامجه وتعهداته، الى واقع حال، لكن وسط القلق العراقي ، من امكان تجدد الخلافات في اية لحظة، وتفتت مرحلة التفاهمات الحالية، فأنه مازال ثمة امل.
Members of the new Iraqi cabinet attend a parliamentary session to vote on Iraq's new government at the parliament headquarters in Baghdad, Iraq, September 8, 2014. Iraq's parliament approved a new government headed by Haider al-Abadi as prime minister on Monday night, in a bid to rescue Iraq from collapse, with sectarianism and Arab-Kurdish tensions on the rise. Picture taken September 8, 2014.  REUTERS/Thaier Al-Sudani (IRAQ - Tags: CIVIL UNREST POLITICS ELECTIONS) - RTR45I2V

أبصرت حكومة حيدر العبادي النور أخيراً، بعد سجال استمرّ أسابيع. لكنّها ما زالت لم تتجاوز اختبارات صعبة، أقربها إكمال الكابينة الوزاريّة باختيار وزيري الدفاع والداخليّة، وهما المنصبان الأكثر حساسية في هذه المرحلة. وأخطر تلك الاختبارات الحفاظ على مرحلة الوفاق الوطنيّ الهشّة، عبر تطبيق حقيقيّ لاستراتيجيّات تعيد إنتاج الشراكة السياسيّة، وتنزع فتيل الأزمات الاجتماعيّة المستعرة، وتحدّد أطراً جديدة لتحقيق التقدّم المنتظر في الملفّ الأمنيّ المرتبك.

كانت ليلة 8 أيلول/سبتمبر الجاري ليلة عصيبة على العراق حقّاً، فقد سهر العراقيّون أمام شاشات التلفاز في انتظار أن يتمكّن رئيس الوزراء المكلّف حيدر العبادي أخيراً، وقبل ساعات من نهاية المدّة المقرّرة دستوريّاً لإعلان حكومته من تمرير قائمة أسماء الوزراء والمنهاج الوزاريّ ووثيقة العهد الاجتماعيّ. وقد فعلها فعلاً، لكن وسط تجاذبات وجدل وارتباك خلال الجلسة البرلمانيّة التي استمرّت حتّى ساعة متأخّرة من المساء.

نجح العبادي في تمرير برنامجه الحكوميّ، والاتّفاق السياسيّ بين الكتل، وهو الاتّفاق الذي تضمّن شروطاً وسقوفاً زمنيّة لحلّ مشاكل أساسيّة طرحها السنّة والأكراد حول قضايا، مثل تسوية ملفّ اجتثاث البعث وتحويله إلى ملفّ قضائيّ، والعمل على قانون للعفو، وفرض التوازن في المؤسّسات الحكوميّة، وتوسيع نطاق المشاركة في القرار السياسيّ، وإعادة صياغة القوى الأمنيّة، والسماح بتشكيل وحدات شعبيّة داخل المحافظات للمساهمة في قتال تنظيم "الدولة الإسلاميّة"، إضافة إلى تعهّدات بحلّ أزمة مرتّبات إقليم كردستان، وقضيّة استثمار النفط، وتمويل البشمركة، والمناطق المتنازع عليها.

لكنّ تمرير هذه الورقة، إضافة إلى البرنامج الحكوميّ الذي عرضه العبادي في كلمة سبقت التصويت عليه، وتضمّن خططاً للنهوض الأمنيّ والسياسيّ والاقتصاديّ، وبرامج لتفعيل الخطط التنمويّة والمشاريع الاستثماريّة، لم يتمّ بسهولة. فالطرف الكرديّ وضع شروطاً لالتزامه بدعم حكومة العبادي، تضمّنت منح الأخير 3 أشهر فقط لتحقيق توافق كامل على المطالب الكرديّة، فيما استمرّت الاعتراضات السنيّة، حول عدم وجود ضمانات ملزمة لتنفيذ التعهّدات.

وبصرف النظر عن كلّ ذلك، فإنّ العبادي ألزم نفسه أمام البرلمان اختيار وزيري الدفاع والداخليّة وعدد من المناصب الأخرى خلال أسبوع واحد. وتلك المهلة قد تبدو صعبة، خصوصاً أنّ هناك خلافات كبيرة حول هذين المنصبين كادت تطيح بالحكومة نفسها قبل ولادتها، حيث تسرّبت أنباء عن ترشيح زعيم منظّمة بدر، هادي العامري لمنصب وزير الداخليّة، وخالد العبيدي عن التحالف السنّي لمنصب وزير الدفاع.

وتؤكّد مصادر مطّلعة لـ"المونيتور" أنّ العبادي كان يسعى إلى أن يتولّى قاسم داود وهو وزير شيعيّ سابق، منصب وزير الدفاع، وجابر الجابري وهو أكاديميّ من الكتلة السنّية، منصب وزير الداخليّة. وقد يحاول تمرير هذين الإسمين خلال الأيّام المقبلة، خصوصاً أنّه تجاوز العقبة الأساسيّة التي يمكن أن تعرقل منح الثقة لحكومته، وأصبح في وضع مريح بالنسبة إلى الأيّام التي سبقت التصويت.

لكنّ العبادي لن يواجه فقط هذا التحدّي، فحكومته يتمّ تعريفها باعتبارها حكومة صقور، فنوّابه الثلاثة صالح المطلك (الكتلة السنيّة) وهوشيار زيباري (الكتلة الكرديّة) وبهاء الأعرجي (كتلة الصدر) يحسبون على القيادات الرئيسيّة في كتلهم. فتحسب مثلاً شخصيّات مثل عادل عبد المهدي (وزارة النفط) وباقر جبر (وزارة النقل) وهما من كتلة "المواطن" على الصقور في التحالف الشيعيّ، والأمر ينطبق عل روز نوري شاويس (وزارة الماليّة) وسلمان الجميلي (وزارة التخطيط).

لن تكون قيادة حكومة من الصقور مهمّة سهلة، خصوصاً أنّ تركيبة جديدة في رئاسة الجمهوريّة سوف ترافقها، وتضمّ نوري المالكي وأياد علاّوي وأسامة النجيفي كنوّاب لرئيس الجمهوريّة، وهي شخصيّات متنافرة وخاضت في السنوات السابقة صراعاً سياسيّاً محتدماً.

ربّما يكون مثل هذا الوضع غير مريح للعبادي، لكنّه سيكون مناسباً لتجاوز الأزمة التي يعيشها العراق، فوجود الشخصيّات الرئيسيّة والمؤثّرة داخل الحكومة، سيساعد على تكوين توافق إجباريّ على قراراتها المستقبليّة، ومسؤوليّة جماعيّة عن تلك القرارات.

أمام حكومة العبادي مرحلة صعبة مقبلة، تتمثّل في توجيه الجهود لمحاربة تنظيم "الدولة الإسلاميّة"، وحلّ أزمات مئات الآلاف من النازحين بسبب أعمال العنف. وتحتاج مثل هذه المهمّة إلى التوافق الداخليّ المطلوب، والتوائم على المستوى الوطنيّ، وهو الشرط غير المعلن دوليّاً وأميركيّاً لتوفير دعم للعراق في حربه ضدّ "الدولة الإسلاميّة".